نخب الصحراء – خبيرات الرأي / أشرف بونان
كان لافتاً هذا الأسبوع كيف تحوّل مجرد تصريح لرئيس جهة العيون الساقية الحمراء إلى شرارة أعادت ترتيب الأوراق داخل المشهد السياسي بالجنوب. فالرجل لم يقل سوى ما تنص عليه القرارات الأممية، لكنه قاله في توقيت حساس، وفي لحظة يتداخل فيها السياسي بالسيادتي، ويتقاطع فيها صوت المنتخبين مع صوت الدولة.
لكن ما لم يدركه البعض هو أن هذا التصريح، الذي بدا بسيطاً في شكله، يحمل وزناً سياسياً كبيراً:
فهو يعيد التأكيد على أن تنزيل الحكم الذاتي يخص إقليمي العيون والداخلة فقط، وأن إقليم كلميم—مهما كان وزنه السياسي—لا يدخل ضمن دائرة النزاع، ولا يمكن إقحامه في ملف لا يمت إليه بصلة قانونية ولا أممية.
وهنا تبدأ قصة التشويق…
فبينما كان الجميع يظن أن حدود النقاش محسومة، ظهرت موجة من التصريحات المتبادلة بين منتخبين من العيون والداخلة وكلميم، وكأن كل جهة تريد أن تضع نفسها في قلب النزاع، أو ربما في قلب المشهد الإعلامي.
بل إن البعض ذهب إلى حد اعتبار أن “جميع الجهات الجنوبية معنية بالحكم الذاتي”، في قراءة غامضة لا تنسجم مع النصوص الأممية ولا مع الخطاب الرسمي للدولة.
هذا الانفلات في الخطاب جعل تصريح رئيس الجهة يبدو أشبه بـ ضربة فرامل سياسية لإيقاف سرعة غير محسوبة.
فمنطق الدولة واضح:
الحكم الذاتي حل سياسي لنزاع دولي، وليس خطة جهوية جديدة لتحديث التقسيم الترابي.
التشويق في هذا الملف لا يأتي من مضمون الكلام، بل من ردود الفعل التي فجّرت تنافساً غير معلن بين الجهات الثلاث، وكأن كل طرف يريد أن يقول: “نحن الأحق بالحديث عن الملف”.
لكن الحقيقة التي حاول الرئيس تذكير الجميع بها هي:
“لا أحد يملك حق إعادة رسم جغرافيا النزاع… لا المنتخبون ولا الجهات. فقط الدولة، وبالاستناد إلى الشرعية الدولية.”
إن ما يجري اليوم يكشف أن الجنوب لا يحتاج إلى اتساع رقعة السجالات، بل يحتاج إلى اتساع رقعة الانسجام السياسي.
فكلما تقدّم المغرب في هذا الملف داخل الأمم المتحدة، كلما صار الخطأ في الخطاب أخطر، والتأويل أثمن لدى خصوم الوحدة الترابية.
تصريح رئيس الجهة كان بمثابة عودة للبوصلة التي حاول البعض تدويرها خارج مسارها الطبيعي.
فالحكم الذاتي ليس موضوعاً للمزايدات، ولا مادة لتسجيل النقاط السياسية، بل مشروع دولة…
ولكل مشروع دولة حدوده، وخارطته، ورجاله.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بتبادل تصريحات أو منافسة في من يملك حق الحديث باسم الصحراء، بل يتعلق بملف سيادي لا يقبل العبث ولا يحتمل الارتباك. فالمغرب اليوم يتقدم بثقة داخل المنتظم الدولي، ويكسب نقاطاً سياسية ودبلوماسية حاسمة، ولا يمكن لخطاب داخلي مرتبك أن يصبح ثغرة مجانية في جدار صلب بُني بتضحيات لسنوات.
التوضيح الذي قدمه رئيس جهة العيون الساقية الحمراء لم يأتِ ليفتح خلافاً جديداً، بل جاء ليذكر الجميع بأن القضية ليست موضوع مزايدة أو رغبة في تصدر المشهد، وأن الحكم الذاتي مشروع بدقة حدوده، وبوضوح مساحته، وبانضباط هندسته الأممية.
يبقى الأهم اليوم أن يفهم المنتخبون قبل غيرهم أن التحرك داخل الهامش الوطني مشروع، لكن القفز خارج الإطار الأممي مغامرة لا يستفيد منها سوى خصوم الوحدة الترابية. وفي هذا الحد الفاصل، يجب أن يقف الجميع عند حدود مسؤولياته… دون زيادة ولا نقصان.


















