نخب الصحراء – أخبار
خلف أفق مدينة العيون، وحيث تلتقي زرقة الأطلسي برمال الصحراء، يبرز شبح حديدي لم يتزحزح من مكانه منذ فجر الأحد ما قبل الماضي، إنها السفينة “BBC GREENLAND” التي باتت لغزاً ملاحياً يلوح في الأفق.
فبينما اعتادت عيون الساكنة والمهنيين على حركة السفن النشطة ذهاباً وإياباً، يطرح استمرار رسو هذه السفينة لأكثر من اثني عشر يوماً في منطقة الانتظار الخارجية تساؤلات تتجاوز المعتاد، خاصة وأن أنظمة التتبع الدولية (AIS) لا تزال تظهرها في وضعية “في انتظار الأوامر”، كأنها في استراحة إجبارية لا نهاية لها.

هذا المشهد الصامت فوق الأمواج يعيد إلى الأذهان وبقوة مرارة ذكرى فاجعة السفينة “DURA BULK” التي ابتلعها البحر في مارس الماضي، وهو الحادث الذي يبدو أنه لم يمر مرور الكرام على أروقة القرار المينائي، بل ترك خلفه راديكالية جديدة في التعامل مع أمن الملاحة.
فما نشهده اليوم من رسو مطول لـسفينة “BBC GREENLAND” العملاقة قد لا يكون مجرد “زحام أرصفة” أو عائق تقني، بل هو تجسيد لبروتوكول تعزيزي صارم فرضته سلطات الميناء كجدار حماية، حيث بات الدخول إلى رصيف الميناء يتطلب تدقيقاً في الهياكل وتوافقاً معقداً مع شروط السلامة التي ضاعفتها كارثة الشهر المنصرم. هذه السفينة المتخصصة في الشحنات الاستراتيجية الضخمة، والمرتبطة بمشاريع الطاقة الريحية الكبرى بالجنوب، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة “الصفر مخاطرة”، إذ أن حمولتها الحساسة لا تحتمل الخطأ في ظل مناخ ملاحي أصبح أكثر حذراً وتشدداً.
ورغم أن صمت المحركات يوحي بالركود، إلا أن ما يدور خلف الكواليس من مراجعات تقنية وتدقيق في شهادات الصلاحية وتأمين الملاحة، يؤكد أن المياه قبالة العيون دخلت مرحلة جديدة من الرقابة اللوجستية، حيث لم يعد الزمن المينائي يُقاس بالساعات، بل بمدى القدرة على ضمان عدم تكرار سيناريوهات الفواجع البحرية، لتظل “BBC GREENLAND” شاهدة على تحول عميق في كيفية إدارة المجال البحري للأقاليم الجنوبية، بانتظار تلك اللحظة التي يُسمح فيها لهذا الضيف الثقيل بكسر صمته والتحرك صوب المرفأ.



















عذراً التعليقات مغلقة