نخب الصحراء – قراءة
تتجه دائرة العيون إلى واحدة من أكثر المعارك الانتخابية ترقباً في الأقاليم الجنوبية، ليس فقط بسبب رمزية المدينة وثقلها السياسي، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الأرقام التي أفرزتها انتخابات 2016 و2021، والتي تكشف عن وجود فارق كبير بين أصحاب المراتب الأولى وباقي المنافسين، مقابل استمرار التنافس الحقيقي على المقعد الثالث.
فالدائرة التي تخصص لها ثلاثة مقاعد برلمانية شهدت خلال آخر محطتين انتخابيتين استقراراً نسبياً في مقدمة الترتيب، مع تغير واحد أساسي تمثل في انتقال المقعد الثالث من حزب العدالة والتنمية إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.
ومع دخول انتخابات 2026، تعود الأسماء نفسها تقريباً إلى الواجهة، لكن السؤال هذه المرة لا يتعلق فقط بمن سيتصدر، وإنما أيضاً بما إذا كانت الأرقام السابقة قادرة على تكرار نفسها.
2016.. الاستقلال أولاً والجماني ثانياً و”البيجيدي” يخطف الثالث
في انتخابات 2016، تصدر حزب الاستقلال النتائج بدائرة العيون بواسطة مولاي حمدي ولد الرشيد، بعدما حصل على 26,827 صوتاً.
وحل حزب الأصالة والمعاصرة ثانياً، بعدما حصل مرشحه سيدي محمد سالم الجماني على 21,572 صوتاً.
أما حزب العدالة والتنمية فجاء ثالثاً بـ 8,424 صوتاً، وهي النتيجة التي مكنته من الظفر بالمقعد الثالث.
في المقابل، لم يتمكن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من دخول دائرة الفائزين، بعدما حصل مرشحه حسن الدرهم على 6,239 صوتاً.
وبلغة الأرقام، كان الفارق بين الأول والثاني يبلغ 5,255 صوتاً، بينما بلغ الفارق بين صاحب المركز الثاني والثالث 13,148 صوتاً.
وهذه الأرقام تكشف منذ البداية أن المنافسة على المقعدين الأول والثاني كانت أكثر وضوحاً، في حين كان المقعد الثالث أقرب إلى منطقة الصراع بين عدد أكبر من الأحزاب. 2021.. ولد الرشيد يضاعف رصيده تقريباً.. بعد خمس سنوات، تغيرت الأرقام بشكل واضح.
فقد ارتفع رصيد عراب الإستقلال بالصحراء حمدي ولد الرشيد من 26,827 صوتاً سنة 2016 إلى 47,548 صوتاً سنة 2021، أي بزيادة بلغت 20,721 صوتاً، بما يعادل تقريباً 77.2 في المائة.
وبذلك لم يكتفِ حزب الاستقلال بالحفاظ على المرتبة الأولى، بل وسّع الفارق مع أقرب منافسيه بشكل كبير.
أما سيدي محمد سالم الجماني، فانتقل من 21,572 صوتاً سنة 2016 إلى 17,675 صوتاً سنة 2021، أي بتراجع قدره 3,897 صوتاً، بما يقارب 18.1 في المائة.
وهنا تظهر إحدى أبرز التحولات الرقمية في الدائرة: ففي الوقت الذي ارتفع فيه رصيد المتصدر بشكل كبير، تراجع رصيد صاحب المركز الثاني.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد تمكن من انتزاع المقعد الثالث بعدما حصل مرشحه محمد عياش على 8,198 صوتاً.
سقوط “البيجيدي”.. التحول الأبرز في خريطة 2021
إذا كان المقعدان الأول والثاني قد حافظا على اتجاههما العام، فإن التغيير الأبرز وقع في المركز الثالث.
فحزب العدالة والتنمية، الذي حصل سنة 2016 على 8,424 صوتاً، لم يتمكن في انتخابات 2021 سوى من جمع 810 أصوات عبر مرشحه محمد لمين ديدة.
أي أن الحزب فقد 7,614 صوتاً مقارنة بنتيجته السابقة، بتراجع يقارب 90.4 في المائة.
وهذا الانخفاض لم يكن مجرد تراجع في الترتيب، بل أدى عملياً إلى فقدان الحزب لمقعده البرلماني.
في المقابل، دخل التجمع الوطني للأحرار إلى البرلمان من بوابة العيون بـ 8,198 صوتاً، بفارق 7,388 صوتاً عن مرشح العدالة والتنمية.
أما الاتحاد الاشتراكي، فحصل سنة 2021 على 4,918 صوتاً، مقابل 6,239 سنة 2016، بتراجع بلغ 1,321 صوتاً.
ماذا تقول الأرقام عن قوة المتصدر؟
الرقم الأكثر لفتاً للانتباه في انتخابات 2021 هو حصول مولاي حمدي ولد الرشيد على 47,548 صوتاً، مقابل 17,675 صوتاً لسيدي محمد سالم الجماني و8,198 صوتاً لمحمد عياش.
أي أن صاحب المركز الأول حصل على أكثر من ضعفي أصوات صاحب المركز الثاني، وعلى ما يقارب 5.8 مرات أصوات صاحب المركز الثالث.
كما أن الفارق بين الاستقلال والأصالة والمعاصرة وصل إلى 29,873 صوتاً، وهو فارق يصعب تجاهله عند قراءة ميزان القوى داخل الدائرة.
لكن الأرقام نفسها تطرح سؤالاً آخر: هل يمثل هذا الفارق قاعدة انتخابية ثابتة يمكن إعادة إنتاجها في 2026، أم أن تغير المرشحين والظروف السياسية والحملة الانتخابية قد يعيد توزيع الأصوات؟
المقعد الثالث.. حيث تبدو المعركة أكثر انفتاحاً
إذا كانت نتائج 2016 و2021 تعطي انطباعاً بوجود استقرار في المقعدين الأول والثاني، فإن المقعد الثالث يبدو أكثر قابلية للتغيير.
ففي 2016 ذهب المقعد إلى العدالة والتنمية بـ 8,424 صوتاً، قبل أن ينتقل سنة 2021 إلى التجمع الوطني للأحرار بـ 8,198 صوتاً.
الفارق بين الرقمين لا يتجاوز 226 صوتاً، وهو ما يعني أن عتبة الفوز بالمقعد الثالث ظلت، وفق نتائج المحطتين، تدور حول مستوى متقارب نسبياً.
وهنا تكمن أهمية دخول الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية مجدداً إلى المنافسة، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار.
فكل زيادة أو تراجع ببضعة آلاف من الأصوات يمكن أن تكون حاسمة في تحديد صاحب المقعد الثالث.
2026.. هل تعيد الأسماء نفسها إنتاج الأرقام نفسها؟
المشهد الحالي يعيد إلى الواجهة عدداً من الأسماء التي سبق أن خاضت المنافسة.
حزب الاستقلال يدخل من جديد عبر مولاي حمدي ولد الرشيد، فيما يجدد الأصالة والمعاصرة رهانه على سيدي محمد سالم الجماني، ويخوض التجمع الوطني للأحرار المنافسة بواسطة البرلماني الحالي محمد عياش.
وفي المقابل، يحاول الاتحاد الاشتراكي الدفع بمولود الكيرع، بينما يدخل التقدم والاشتراكية بحسن الدرهم، ويعود العدالة والتنمية إلى المنافسة من خلال دداي بيبوط.
وهنا تصبح المقارنة مع أرقام 2021 ذات أهمية كبيرة.
هل يستطيع الاستقلال الحفاظ على رقم 47,548 صوتاً؟
هل يتمكن الجماني من استعادة جزء من 3,897 صوتاً التي فقدها بين 2016 و2021؟
وهل يستطيع “الأحرار” الحفاظ على المقعد الثالث ورفع رصيده فوق عتبة 8,198 صوتاً؟
وفي المقابل، هل يستطيع الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية أو العدالة والتنمية رفع رصيدهم بما يكفي لاختراق الثلاثة الأوائل؟
العيون.. معركة الفارق وليس فقط معركة الأصوات
تظهر قراءة نتائج المحطتين السابقتين أن انتخابات العيون لا يمكن اختزالها في سؤال: من سيحتل المرتبة الأولى؟
فالأرقام تجعل الإجابة على هذا السؤال أقل إثارة مقارنة بالسؤال الأهم: من سيحجز المقعد الثالث؟
فبينما وصل الفارق بين الأول والثاني سنة 2021 إلى 29,873 صوتاً، لم يتجاوز الفارق بين الثالث والرابع سوى 3,280 صوتاً، بعدما حصل محمد عياش على 8,198 صوتاً مقابل 4,918 للاتحاد الاشتراكي.
وهذا يعني أن الجزء الأكثر سخونة من المعركة قد لا يكون في قمة الترتيب، وإنما في المنطقة التي تبدأ من المركز الثالث وتمتد إلى باقي المنافسين.
وبالتالي، فإن انتخابات 2026 بدائرة العيون قد تكون اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب على تحويل حضورها السياسي إلى أصوات، وقدرتها على الحفاظ على قواعدها الانتخابية أو توسيعها.
وفي النهاية، ستبقى الأرقام التي ستُسجل يوم الاقتراع هي الفيصل في تحديد ما إذا كانت دائرة العيون ستكرر سيناريو 2021، أم أن صناديق الاقتراع ستكتب هذه المرة خريطة انتخابية مختلفة.



















عذراً التعليقات مغلقة