نخب الصحراء – أخبار
في مشهد سياسي لا يخلو من المفارقات الصارخة، أثار تعليق أحد مفتشي حزب الاستقلال بمدينة الداخلة موجة من الجدل، حينما حاول الدفاع عن منسق حزبه الإقليمي الذي وُجهت إليه الأصابع في تحقيق صحفي بامتلاك مقالع رمال ريعية. المفاجأة لم تكن في النفي أو التبرير، بل في صيغة الاستشهاد التي اعتمدها المفتش والتي جاءت على شاكلة..
“وهناك من يمتلك عشرات المعامل والفنادق والمصانع، أين الإشكال؟ إنه الغل والحسد لا غير.”

هذا التعليق، الذي نُشر على هامش مقال لجريدة نخب الصحراء، كشف عن عمق المأزق الأخلاقي والسياسي الذي تعيشه بعض النخب الحزبية، وبدل أن يبرئ ذمة المنسق الحزبي، فقد زكّى بوضوح التورط في الممارسات الريعية، بل وحاول تطبيعها وجعلها أمراً عادياً، بل مستحقاً، ما دام “الآخرون” يستفيدون هم أيضاً.
اللافت في هذا السياق هو السقوط المدوي في التبرير الأخلاقي للفساد، حيث تُحوّل مشروعية السؤال حول الثروة غير المنتجة إلى “غل وحسد”، وتُجرد السياسة من بعدها الأخلاقي الرقابي، لصالح منطق “الكل يستفيد”، وكأننا أمام توزيع غنائم لا تدبير شؤون عمومية.
ومن هنا تبرز دلالة المقولة القرآنية الشهيرة: “شهد شاهد من أهله”، والتي تصلح توصيفاً دقيقاً لهذا الحدث، حيث أن الاستشهاد الذي أراد به صاحبه التبرئة، تحول إلى إدانة صريحة وتوثيق علني لطبيعة الامتيازات غير المشروعة التي تحيط ببعض الفاعلين السياسيين، وعلى رأسهم رئيس الجهة الحالي الذي يملك هو الآخر، بحسب مصادر متعددة، مقالع رمل تُدر أرباحاً ضخمة خارج منطق الشفافية والمنافسة الحرة.
الأخطر من كل ما سبق هو الصمت المطبق لهيئات الرقابة والمساءلة، سواء الإدارية أو القضائية أو حتى الحزبية الداخلية. فحين يصبح منسق حزبي قادراً على الدفاع عن مظاهر الريع بهذا الشكل العلني، ويُقابل ذلك بعدم اكتراث من طرف المؤسسات الرقابية، الشيء الذي يضعنا أمام العديد من التساؤلات، ما هي حدود امتلاك السياسيين لمصادر ثروة ريعية دون المساس بمبدأ تعارض المصالح ؟ وكيف يمكن مساءلة النخب التي تستغل مواقعها الانتخابية أو الحزبية لتحقيق مصالح شخصية؟ وما دور القضاء ومؤسسات الحكامة في التصدي لمظاهر الريع السياسي؟ ولماذا تغيب تقارير تفتيش أو مساءلة من طرف مجلس المنافسة، المجلس الأعلى للحسابات، أو حتى من داخل الأحزاب نفسها ؟ وأخطر من ذلك .. ما الرسالة التي تُبعث إلى الشباب والمجتمع حين يصبح الريع “مكافأة سياسية” بدل أن يكون مدعاة للمساءلة؟
إن ما يحدث في مدينة الداخلة ليس سوى نموذج مصغر لحالة عامة تعاني منها الحياة السياسية بالأقاليم الصحراوية، حيث تتماهى في كثير من الأحيان المصالح الخاصة مع الشأن العام، وتصبح السياسة وسيلة للاغتناء لا وسيلة للخدمة. وهو ما يفرض إعادة نظر عميقة في معايير الشفافية، آليات المحاسبة، وحدود تداخل السلطة بالثروة، وفي النهاية هل ننتظر سقوط “شهداء من أهلهم” آخرين، أم سنرى يقظة مؤسساتية تعيد الأمور إلى نصابها ؟


















