نخب الصحراء – كريم تكنزا
تعيش مدينة العيون منذ شهور على وقع أزمة عطش خانقة باتت تهدد استقرار الساكنة وحياتها اليومية. فمع الارتفاع المهول في درجات الحرارة، لم يعد سكان المدينة قادرين على تحمل الانقطاعات المتكررة للمياه، في وقت تُقدَّم فيه العيون كمدينة خضراء تتزين بمساحات شاسعة من الحدائق وأشجار النخيل الممتدة على طول الشوارع والأزقة.
هذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً .. هل تعكس هذه الاختيارات رؤية تنموية حقيقية أم مجرد إخفاق في ترتيب الأولويات ؟
المجلس البلدي للعيون، الذي راهن في خطته التنموية على التوسع في المساحات الخضراء والتشجير، وجد نفسه في قلب انتقادات واسعة قلبت موازين التطلعات للمجلس بعدما تحولت هذه السياسة إلى عبء إضافي على الثروة المائية المحدودة. فعمليات السقي المستمرة تستنزف الموارد، في وقت تعاني فيه الأسر للحصول على أبسط حقوقها المائية.
هذه المقاربة تكشف غياب الانسجام مع التوجيهات الملكية التي أكدت، في أكثر من مناسبة، على ضرورة التدبير العقلاني والحكامة الرشيدة للموارد المائية، في ظل سنوات عجاف من الجفاف الذي أصاب معظم القطاعات الحيوية.
الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش للسنة الماضية شدّد على أن قضية الماء هي شأن استراتيجي يستوجب دمج السياسات العمومية بمقاربة شمولية وفعالة. فقد دعا جلالته إلى حسن تدبير المياه وتعبئة جميع المتدخلين، وطنياً وجهوياً، لإيجاد حلول عملية لمعضلة ندرة الموارد، محذراً في الوقت ذاته من السلوكيات العشوائية التي تسرّع وتيرة استنزاف المخزون المائي.
غير أن غياب التفاعل الجاد من طرف المجلس البلدي مع هذه التوجيهات جعل العيون اليوم تدفع ثمن سوء التدبير، بعدما لجأت إلى حلول ترقيعية مؤقتة عبر الإشراف على عملية تسجيل الأشخاص وتوجيه شاحنات الصهاريج على الأحياء.
إلى جانب فشل المجلس البلدي في تدبير هذا الملف، يلاحظ أيضاً غياب المبادرة من مؤسسة الوالي، التي يُفترض أن تعقد اجتماعاً طارئاً لإيجاد حلول مستعجلة، غير أن مواقفها لحد الساعة تعكس نوعاً من التطبيع مع الوضع، ما زاد من احتقان الساكنة التي تعيش واحدة من أسوأ فترات حياتها، مؤسسة الوالي التي من المفترض تلعب دور الموجه والمراقب على السياسات التدبيرية للمجالس ظلت صامتة تشارك في اجتماعات جلها توبيخية دون إيجاد حلول جذرية.
اليوم، بات واضحاً أن مدينة العيون عاصمة الصحراء المغربية لا تحتاج إلى المزيد من المساحات الخضراء بقدر ما تحتاج إلى رؤية مستقبلية تتماشا مع التوجيهات الملكية الواقعية من خلال العمل على ايجاد حلول مستدامة تضمن حق المواطنين في الماء. فالأولوية يجب أن تُمنح لمشاريع بديلة تساهم في خلق تنمية اقتصادية وفرص عمل للشباب، بدل استنزاف الموارد في مشاريع تجميلية لا تراعي السياق الوطني المتأزم بفعل الجفاف.
إن تنزيل التوجيهات الملكية يتطلب تجاوز المقاربات السطحية ووضع آليات جديدة أكثر نجاعة، تضمن التدبير المستدام للمياه وتحفظ حق ساكنة العيون في العيش الكريم.
أزمة مدينة العيون اليوم ليست فقط أزمة عطش، بل هي أيضاً أزمة رؤية تنموية لجل المؤسسات الترابية والمنتخبة، مما يستدعي حاجة ملحّة لإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من منطق التزيين إلى منطق الاستدامة والتنزيل المحكم للإرادة الملكية الضامنة للإستقرار.


















