نخب الصحراء – بوجدور
رغم ما تحمله الخطب الملكية السامية من رسائل واضحة وصريحة حول ضرورة رعاية الشباب وفتح المجال أمامهم للمشاركة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ما تزال مدينة بوجدور تسير عكس التيار، مكرسة سياسة الإقصاء والتهميش التي تدفع بالطاقات المحلية إلى البحث عن فضاءات بديلة خارج الإقليم.

فقد عبّر الصحفي والجمعوي طارق أوخراب، خريج معهد الصحافة وعلوم الأخبار بمدينة العيون، عن خيبة أمله في تدوينة مؤثرة نشرها على حسابه الشخصي، مؤكداً أن مدينة بوجدور، التي من المفترض أن تكون الحضن الطبيعي لأبنائها، تكشف عن مفارقة مؤلمة: أبناؤها يحظون بالتقدير خارجها، بينما داخلها يواجهون جدار الصمت والتجاهل. وأوضح أوخراب أن تهميش الشباب في بوجدور ليس حدثاً معزولاً، بل انعكاس لبنية اجتماعية مريضة تجعل الاعتراف بالكفاءة رهينًا بنظرة “الآخر”، لا بما تملكه الطاقات المحلية من قدرات حقيقية. واختتم تدوينته بسؤال جوهري: “كيف يمكن لمجتمع أن ينهض إذا استمر فيالزهد في طاقاته المحلية، وتركها تبحث عن فضاءات بديلة تمنحها الاعتبار والاعتراف؟”

وفي السياق ذاته، برزت تجربة الشابة الإعلامية “هدية الرافع”، التي درست بدورها علوم الصحافة بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار بمدينة العيون. هذه الشابة التي تمتلك حضورًا لافتًا ونبرة صوتية مميزة، لم تجد في بوجدور أي فرصة لاحتضان مواهبها، فكان تألقها خارجها، حيث لفتت الأنظار خلال تقديمها فعاليات المؤتمر الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي بالعيون، بحضور جماهيري واسع.

كما يطل اسم المؤلف والمدون لارباس الرگيبي، الحاصل على إجازة في الأدب من الرباط وماستر من تطوان، والذي لمع كصحفي وباحث ناقد في جريدة نخب الصحراء. الرگيبي، رغم كفاءته وتفوقه في المجال الإعلامي، لم يجد في بوجدور موطئ قدم، بل وجد نفسه مستهدفًا من بعض الأطراف السياسية بسبب تدويناته الجريئة وتحقيقاته التي كشفت عن اختلالات بالجملة.
إن هذه النماذج الشبابية التي صنعت مجدها بعيداً عن مسقط رأسها تكشف بجلاء فشل المسؤولين المحليين والنخب السياسية ببوجدور في القيام بأبسط أدوارهم. فبدل أن يكونوا جسرًا بين الطاقات الشابة ومشاريع التنمية، تحولوا إلى عائق يقطع الطريق أمام كل مبادرة خلاقة، مفضلين منطق الولاءات الضيقة على مصلحة الإقليم.
ورغم أن جلالة الملك محمد السادس ما فتئ يوصي في خطبه السامية بجعل الشباب في قلب السياسات العمومية، فإن هذه الرسائل الرفيعة لم تجد في بوجدور سوى آذان صماء وقلوب غارقة في الحسابات الشخصية. وهكذا، يظل الإقليم استثناءً سلبيًا يحترف فن تهميش شبابه، مثبتًا هشاشة نخبه، ومانحًا الدليل القاطع على أن التنمية بلا شباب مجرد وهم يُسوَّق في المناسبات، بينما الواقع يقول شيئًا آخر فبوجدور اليوم أبدع في إقصاء شبابه، مستمراً في دفعهم نحو المنافي الداخلية والخارجية بحثًا عن الاعتراف.


















