نخب الصحراء – سياسة وأحزاب
تأهباً للملحمة التشريعية لعام 2026، اختار الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، سلاح الاستباقية ليعلن عن لائحة مرشحي الدوائر المحلية، متوجاً بذلك مشاورات عسيرة قادتها اللجنة الوطنية للانتخابات. غير أن هذا الإعلان المبكر استحال صدمة سياسية غير متوقعة، بعدما جاء بمثابة نعي رسمي وشديد اللهجة لشعارات “تجديد النخب” و”إشراك الشباب” التي طالما رفعها الحزب في أدبياته. وبدلاً من ضخ دماء جديدة، تكسرت كل الوعود فوق صخرة البراغماتية الانتخابية، ليعود الحزب خطوتين إلى الوراء ويكرس منطق الهيمنة عبر إعادة إنتاج نفس الوجوه الكلاسيكية.
هذه الخطوة قوبلت بكثير من التوجس والامتعاض من قِبل متتبعي الشأن المحلي بالأقاليم الجنوبية، إذ اعتبرها البعض نكسة ديمقراطية صريحة، ضربت بعرض الحائط التوجيهات والمواثيق والخطب الملكية السامية التي ما فتئت توصي بضرورة إفساح المجال أمام الطاقات الشابة وضخ دماء جديدة في شرايين التدبير السياسي. وبدلاً من الاستجابة لتطلعات جيل جديد يحلم بتكافؤ الفرص، اختارت القيادة المركزية للحزب الانحناء لعواصف الخصوصيات المحلية، مضحية بأحلام الشباب في الصحراء على مسلخ البراغماتية الانتخابية الضيقة.
فالاعلان عن الأسماء المرشحة في جهات الصحراء (مثل العيون، والداخلة، وبوجدور، وطرفاية…) تكشف بوضوح “إعادة تدوير” لنفس النخب الكلاسيكية التي احتكرت المشهد لعقود دون منجزات تُذكر على أرض الواقع. الغريب في الأمر أن اللائحة أعادت تقديم أسماء عُرفت طيلة مسارها التشريعي السابق بـ”صمت القبور” تحت قبة البرلمان، متخلية عن دورها الترافعي المفترض في الدفاع عن هموم المواطن البسيط، ليعاد تصديرها اليوم كـ”خيارات لا بديل عنها”.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي “أحمد الهيبة” أن لوائح الدوائر المحلية بالأقاليم الجنوبية جاءت لتترجم، بشكل فج، “منطق الأعيان” الذي لا يزال يهيمن على الهندسة الانتخابية بالصحراء. فالأحزاب السياسية، وفي مقدمتها الأحرار، تنظر إلى هذه النخب التقليدية كـورقة رابحة لا يمكن الاستغناء عنها، بالنظر إلى طبيعة المنطقة المبنية على شبكة من العلاقات القبلية المعقدة. ويؤكد الهيبة أنه على الرغم من الهالة الإعلامية التي تصاحب حديث الأحزاب عن التجديد، إلا أنها في عمق عقيدتها الانتخابية تؤمن بأن النخب الكلاسيكية هي الخزان الوحيد المضمون للأصوات.
من جانبه، يسير الباحث في العلوم السياسية، “سيداتي فيضول”، في ذات الاتجاه موضحاً أن الأحزاب السياسية في الصحراء تعاني من تبعية بنيوية لمنطق الأعيان، وتعجز تماماً عن القطع مع هذه الدائرة المفرغة، لأن أي محاولة للتمرد على هذا الواقع قد تفجر صراعات داخلية حادة من شأنها أن تعصف بالاستقرار التنظيمي للحزب، فالأعيان، حسب فيضول، يمثلون قوة نفوذ ممتدة من الأقاليم وصولاً إلى المركز، ويضيف بحسرة أن الأحزاب الوطنية، في نهاية المطاف، لا تعترف حقيقةً بمنطق الكفاءات الشابة، بل تضع أمامهم متاريس وعراقيل تعجز قدراتهم المادية والرمزية عن تخطيها، مما يكرس الإقصاء ويجعل من النخب الشابة مجرد ديكور لتأثيث المؤتمرات واللقاءات الحزبية…، بينما تظل المفاتيح الثقيلة للتشريع والتدبير حكراً على “شيوخ الانتخابات”.



















عذراً التعليقات مغلقة