كواليس السلطة في المغرب .. تحقيق يكشف خبايا الديوان الملكي وطرق تدبيره لشؤون البلاد من وراء الكواليس؟”

5 فبراير 2025
القصر الملكي بالمغرب خبايا الديوان الملكي

نخب الصحراء – تحقيق

نشرت مجلة “جون أفريك” الفرنسية تحقيقًا معمقًا حول الدور المحوري الذي يلعبه الديوان الملكي في تسيير شؤون البلاد، كاشفةً عن تفاصيل دقيقة حول آلية عمل هذا الجهاز الذي يبدو بعيدًا عن الأضواء، لكنه في الواقع يشكل مركز صنع القرار الحقيقي في البلاد.

ووفقًا للتحقيق، فإن الديوان الملكي لا يقتصر على كونه هيئة استشارية، بل هو القلب النابض للإدارة السياسية، حيث تتطلب جميع القرارات الاستراتيجية موافقة أو إشرافًا مباشرًا من القصر, فرغم أن الحكومة تضطلع بمهامها التنفيذية، إلا أن الخطوط الفاصلة بين صلاحياتها وسلطات الديوان تبقى غير واضحة، مما يعكس التداخل العميق بين المؤسستين.

مقر القرار وصناع السياسات

بحسب المجلة، يقع مقر الديوان الملكي داخل أسوار القصر في الرباط، بجوار رئاسة الحكومة، في دلالة رمزية على طبيعة النظام المغربي، الذي يجمع بين ملكية تنفيذية وحكومة ذات صلاحيات موسعة منذ دستور 2011، لكنها تظل تحت الإشراف المباشر للملك. فرغم أن الدستور يحدد بدقة اختصاصات الملك، إلا أنه يظل صاحب القرار الحاسم في القضايا الكبرى، خاصة في مجالات السيادة مثل الأمن والدفاع والدبلوماسية.

يتألف الديوان الملكي من أكثر من مائة موظف يعملون في سرية وانضباط، ولا يُعرف عنهم الكثير سوى مستشاري الملك السبعة، الذين تم تعيينهم بظهائر ملكية. ومن بين هؤلاء، يُعتبر فؤاد علي الهمة أكثرهم نفوذًا، نظرًا لقربه الشخصي من الملك، بينما يعد أندري أزولاي عميد المستشارين بحكم أقدميته، حيث لعب دورًا محوريًا منذ عهد الحسن الثاني في الترويج لصورة المغرب دوليًا.

حكومة ظل أم مركز تنفيذي؟

أطلقت بعض الأوساط على الديوان الملكي وصف “حكومة الظل”، لكنه، وفق تحقيق “جون أفريك”، يعمل كجهاز تنفيذي داعم للملك، مكلف بإعداد الاستراتيجيات الكبرى ومتابعة تنفيذها. فهو أشبه بمركز دراسات، يدقق في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ويراقب تنفيذ المشاريع الوطنية، كما يشرف على إعداد الخطابات الملكية وإدارة المراسلات الموجهة للملك.

ولا يخضع الديوان الملكي لأي تراتبية داخلية صارمة، إذ يتم توزيع الملفات بين المستشارين بناءً على اختصاصاتهم وخبراتهم، مع مرونة تتيح التدخل في مجالات مختلفة. كما أن العلاقة بين الحكومة والديوان الملكي تسير وفق بروتوكولات محددة، حيث يزور الوزراء القصر لتقديم التقارير، وليس العكس، في إشارة إلى الأسبقية التي يحظى بها القصر في إدارة الشأن العام.

سلطة في حالة ترحال

عندما ينتقل الملك بين المدن، يرافقه الديوان الملكي في تنظيم لوجستي بالغ الدقة، حيث يتم نقل الملفات والموظفين لضمان استمرارية اتخاذ القرارات. هذه الممارسة تعكس تقليدًا تاريخيًا للملكية المغربية، حيث يُقال إن “عرش السلاطين يوجد على سرج خيولهم”، في إشارة إلى العلاقة المباشرة بين الملك والشعب.

ويشكل الديوان الملكي أيضًا “مقياس زلازل اجتماعي”، حيث يتلقى يوميًا مئات الرسائل من المواطنين، تُصنف حسب القضايا المطروحة، ثم يتم تحليلها وعرضها على الملك، مما يمنحه رؤية دقيقة حول اهتمامات الشعب وتحدياته.

شفافية محسوبة

رغم أن الديوان الملكي ظل لعقود محاطًا بالسرية، إلا أن عهد الملك محمد السادس شهد جهودًا لتعزيز الشفافية، خاصة بعد أحداث الربيع العربي ودستور 2011. ومع ذلك، يبقى هذا الجهاز محاطًا بهالة من الغموض، حيث لا توجد قاعدة واضحة لكيفية تعيين أعضائه، كما أن المستشارين، رغم نفوذهم الواسع، يعملون في ظل ظروف متواضعة مقارنة بالمكانة التي يشغلونها.

في المحصلة، يكشف تحقيق “جون أفريك” أن الديوان الملكي ليس مجرد هيئة استشارية، بل هو العمود الفقري لمنظومة الحكم في المغرب، حيث يُعاد رسم السياسات وتُدار الملفات الاستراتيجية بعيدًا عن الأنظار، لكن بيدٍ لا تُخطئ طريقها إلى مراكز القرار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *