نخب الصحراء – سياسة وأحزاب
في الوقت الذي تنتظر فيه القواعد الشبابية الحزبية في المغرب فتح أبواب تكافؤ الفرص والصعود السياسي بناءً على الكفاءة والنضال الميداني، تؤكد نتائج المؤتمر الوطني الأخير للشبيبة الاستقلالية أن “البرجوازية السياسية” ما زالت متمسكة بمفاتيح القيادة، بل وتحرص على تعبيد الطريق لتوريث المقاعد والمناصب للأبناء والامتدادات العائلية، ليتحول التنظيم الشبابي في نظر الكثير من المتتبعين إلى ما يشبه “شبيبة عائلية” مغلقة.
تأملٌ بسيط في لائحة أعضاء المكتب التنفيذي الجدد للولاية الانتدابية الرابعة عشرة، يكشف بوضوح أن أغلب الأعضاء الذين تم انتخابهم ليسوا سوى امتداد طبيعي لعائلات استقلالية نافذة احتكرت المشهد الحزبي والسياسي لسنوات طويلة. ومن أبرز هذه النماذج :
•مروى الأنصاري : المنتمية لعائلة “الأنصاري” الاستقلالية المعروفة بجهة فاس-مكناس.
•اليزيد قيوح : سليل عائلة “قيوح” التي تشكل أحد أبرز ركائز الحزب التاريخية والانتخابية في منطقة سوس.
•زكرياء مضيان : امتداد لعائلة “مضيان” النافذة في منطقة الريف (الحسيمة).
•لالة هند ولد الرشيد : وهي امتداد لعائلة “ولد الرشيد” القوية والنافذة في الصحراء المغربية والحزب.
•عابد بوگرن ماء العينين : يمثل امتداداً لروابط عائلية وقبلية عريقة في الأقاليم الجنوبية.
•محمد مامون زيدوح : الذي يحمل اسماً مرتبطاً ببيوتات استقلالية معروفة في محور الرباط-الدار البيضاء.
هذه الأسماء وغيرها، ليست مجرد مصادفة تشابه أسماء، بل هي انعكاس لواقع سياسي بات يعتمد على “الرأسمال العائلي” كجواز سفر وحيد لبلوغ مراكز القرار الحزبي.
فما بات يشهده حزب “الميزان” من خلال ذراعه الشبابي يسلط الضوء على “البرجوازية السياسية” التي نجحت على مر العقود في تحويل المناصب الانتدابية والمقاعد البرلمانية والمسؤوليات الحزبية إلى “ضيعات عائلية”، هذه النخبة النافذة لم تعد تكتفي بالتموقع في الصدارة، بل أصبحت ترسم خططاً بعيدة المدى لتأمين مستقبل أبنائها سياسياً، مستغلةً نفوذها المالي والتنظيمي لفرض “الخلف” في مناصب القيادة، وتدشين مسارهم السياسي من بوابة المكاتب التنفيذية الجاهزة… وأمام هذا المشهد القائم على “الوراثة الحزبية”، يطرح الشارع المغربي والشباب الطامح للتغيير تساؤلات مؤسفة. مصير أبناء الشعب وأبناء هذا الوطن الذين لا يملكون ألقاباً عائلية رنانة ولا نفوذاً مالياً؟ هل أصبحت السياسة في المغرب مهنة تورث كالعقارات والتجارة؟
فإصرار النخب الحزبية على إعادة إنتاج الوجوه ذاتها وتوريث المقاعد للأبناء البورجوازية السياسية يضرب في العمق مفهوم “المصعد الاجتماعي” ويجهض مبدأ التنافس الشريف ليكرس بذلك حالة الإحباط والنفور لدى كفاءات أبناء الشعب الذين يجدون أنفسهم، رغماً عن تضحياتهم وشواهدهم العليا، مجرد “حطب انتخابي” أو “مصفقين” في مؤتمرات تُطالَع نتائجها مسبقاً في شجيرات العائلات الحزبية النافذة.
فاستمرت السياسة بمنطق التركات والإرث، يجعل الأحزاب تفقد دورها الحقيقي كأدوات للإدماج وتجديد النخب وتصرب بعرض الحائط كل التوصيات الملكية الرامية إلى ضرورة تدوير النخب وتجديدها بمنطق الكفاءة ولا منطق العائلات المحتكرة للمشهد السياسي، فالأحزاب اليوم توحلت إلى نوادٍ عائلية مغلقة تشاهدها الجماهير من بعيد، في انتظار أن يستوعب قادة هذه الأحزاب أن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وليس فقط لأولئك الذين ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب سياسي.



















عذراً التعليقات مغلقة