نخب الصحراء – أخبار
ليست كل الاستقالات السياسية مجرد إعلان لمغادرة حزب، فبعضها يأتي محملا بسنوات من الصمت والانتظار وخيبات الأملج… وبين سطور رسالة مؤثرة وجهها شاب ابن الصحراء إلى الرأي العام، اختار فيها أن يطوي صفحة من مساره داخل حزب الاستقلال، بعد سنوات يقول إنه أفناها في خدمة التنظيم والإيمان بمبادئه، قبل أن يصطدم، بحسب روايته، بواقع لم يجد فيه مكانا لجهده ولا اعترافا بعطائه… كلمات حملت الكثير من الألم والعتاب، وعكست إحساسا عميقا بالخذلان السياسي، لتتحول من إعلان استقالة إلى شهادة شخصية عن تجربة سياسية انتهت كما لم يكن يتمنى صاحبها.
وجاء في الرسالة :
هناك قرارات لا تؤخذ في لحظة غضب، بل بعد سنوات من الصبر والتفكير ومراجعة النفس. واليوم، وبعد مسار طويل داخل حزب الاستقلال، أعلن رسميا انسحابي من الحزب وإنهاء كل أشكال النضال والعمل التنظيمي داخله.
لم يكن هذا القرار سهلا، فأنا ابن عائلة استقلالية بامتياز، وترعرعت على مبادئ الحزب، وكنت أعتبر أن الانتماء إليه ليس مجرد اختيار سياسي، بل جزء من تاريخ عائلتي. لذلك تحملت كثيرا، وصبرت أكثر، وآمنت أن العمل الجاد والإخلاص سيجدان طريقهما إلى التقدير، لكن الواقع كان مختلفا.
سنوات من العمل في الظل، من الحضور والمساهمة والدفاع عن الحزب، دون أن أحصل حتى على حقي في الانضمام الرسمي إلى الشبيبة الاستقلالية أو التدرج داخل هياكل الحزب. وفي المقابل، شاهدت أشخاصا التحقوا بالحزب بعدي ليصبحوا في وقت قياسي أعضاء في المجلس الوطني، ويتقلدوا مسؤوليات لم يصلوا إليها بالكفاءة وحدها.
تحدثت أكثر من مرة، وطرقت كل الأبواب، وانتظرت سنوات، لكن لم أجد سوى الصمت. واليوم وصلت إلى قناعة راسخة بأن الكرامة تقتضي التوقف عندما يصبح الجهد بلا قيمة، وعندما يتحول الإخلاص إلى مجرد رقم لا يلتفت إليه أحد. كما أنني لست نادما على ما قدمته، لكنني نادم على السنوات التي انتظرت فيها أن يتم إنصافي.
أغادر حزب الاستقلال مرفوع الرأس، لأنني لم أساوم على مبادئي، ولم أبحث عن المناصب بالولاءات أو المجاملات، ولم أكن يوما ممن يغيرون مواقفهم لإرضاء هذا المسؤول أو ذاك.
أما عن مستقبلي السياسي، فأؤكد أنني تلقيت عرضين للانضمام إلى أحزاب أخرى، منها ما يتوافق مع مبادئي وتوجهاتي الشبابية، لكنني قررت أن أمنح الفرصة للحزب الذي كنت، ولا أزال، أطمح إلى الانضمام إليه والتدرج داخل هياكله. وإن لم يتحقق ذلك، فسأتخذ قراري بكل قناعة واختيار.
وأخيرا، أشكر كل المناضلين الشرفاء الذين تعرفت عليهم داخل حزب الاستقلال، أما المؤسسة الحزبية فقد كانت تملك فرصة للاحتفاظ بمناضلين يؤمنون بالكفاءة والعمل، لكنها اختارت طريقا آخر.
أغادر اليوم لا لأنني ضعفت، بل لأنني أدركت أن احترام الذات أهم من البقاء في مكان لا يقدر العطاء.
لكل بداية نهاية… وهذه نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة بإذن الله.
وفي ختام بيانه، أكد المستقيل أن مغادرته للحزب لا تعني انسحابه من العمل السياسي، وإنما تمثل نهاية مرحلة وبداية أخرى، مشددا على أن احترام الذات والتمسك بالمبادئ كانا الدافع الأساسي لاتخاذ هذا القرار، مع ترك الباب مفتوحا أمام تجربة سياسية جديدة تتوافق مع قناعاته وتطلعاته المستقبلية.
وتعيد هذه الاستقالة طرح أسئلة قديمة تتجدد مع كل محطة انتخابية حول مستقبل العمل الحزبي في المغرب، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على احتضان الكفاءات الشابة ومنحها فرصا حقيقية للتدرج على أساس الاستحقاق، بدل تكريس الإحباط الذي يدفع العديد من الطاقات إلى المغادرة. فالأحزاب التي تخسر أبناءها المخلصين قبل أن تمنحهم فرصة إثبات الذات، قد تجد نفسها مستقبلا أمام أزمة ثقة يصعب ترميمها.


















عذراً التعليقات مغلقة