نخب الصحراء – قراءة
في مشهد لافت تجاوز حدود الدعاية الانتخابية، ليكشف عن تحول عميق في المزاج العام لساكنة كبرى حواضر الصحراء المغربية، بدت الحشود الغفيرة التي التفّت حول حسن الدرهم وكأنها لم تخرج للاحتفال برجل قدّم نفسه كمرشح سياسي يسعى إلى مقعد نيابي، بل لتجسيد صرخة مكتومة ضد واقع سياسي واقتصادي أثقل كاهل العيون لسنوات طويلة.
لقد تجاوز الدرهم، في نظر الكثيرين، إطاره الحزبي والسياسي الشكلي، ليعاد تشكيله في المخيال المواطن المحلي كرمز للمقاومة الفردية في وجه الاحتكار والتهميش، وكصوت قادر على مواجهة الهيمنة الحزبية المطلقة التي جثمت على أنفاس الحياة السياسية بالعيون.
هذا التعاطف الجماهيري الواسع، الذي بات يلفت الانتباه، يبدو أنه يستمد قوته من حالة الاحتقان الناجمة عن المفارقة الصارخة التي تعيشها مدينة العيون. ففي الوقت الذي تعكس فيه المدينة مظاهر عمرانية وبنية تحتية حديثة، تصطدم هذه الصورة الجمالية بواقع اقتصادي مأزوم، تصدرت فيه العيون، وفق مؤشرات رسمية، نسب بطالة مقلقة، على الرغم من غناها بالثروات والفرص الواعدة.
إلا أن الثروة والنفوذ تركزا في يد أقليات حظيت بامتيازات الهيمنة السياسية الطويلة، ما ساهم في خلق شرخ اجتماعي حاد، جعل المواطن الصحراوي بالعيون يشعر بالاستبعاد من ثمار التنمية، ويحنّ إلى مرحلة يتذكرها الكثيرون كفترة انتعاش وانفراج اقتصادي ارتبطت باسم حسن الدرهم، الذي يستعيد اليوم رمزيته كمطرقة قادرة على إحداث ثقب في جدار الاحتكار الصلب.
حسن الدرهم، الذي يراه العديد من المتتبعين للمشهد السياسي، بل وحتى من هم محسوبون على الحزب المهيمن، باتوا يرون فيه ذلك الرجل الذي يعبّر عما يضيق به صدرهم.
هذا التعاطف يراه البعض على أنه استعادة للوعي الجماعي الذي يرفض سياسة “الحزب الواحد”، التي اختزلت القرار والتنمية في لون واحد ومصلحة محددة.
فالهتافات التي تعالت في مسيرات المرسى والعيون أمام حسن الدرهم لم تكن، في نظر الكثيرين، تمجيداً لشخصه بقدر ما كانت تعبيراً صريحاً عن السأم من سياسات الإفقار الممنهج والتهميش والتمييز، بل وحتى الاستعباد.
حسن الدرهم، الذي نقل المعركة السياسية إلى أقصى حدودها اليوم، موظفاً رصيده كشخصية استطاعت الوقوف ندّاً أمام مراكز النفوذ الكبرى بالعيون، يفتح بذلك باب الأمل أمام الشارع العيوني للتحرر من قبضة الهيمنة، واستعادة التوازن المفقود في الخريطة السياسية والاقتصادية للمنطقة.
فهل يكون هذا التعاطف المتصاعد مع حسن الدرهم لحظة انتخابية عابرة، أم أنه يعكس بالفعل تحولاً في المزاج العام بمدينة العيون؟ وهل حقاً سئمت العيون من هيمنة الحزب الواحد، وبدأت تبحث عن صوت جديد يعيد التوازن إلى المشهد السياسي والاقتصادي؟ أم أن ما نشهده اليوم ليس سوى بداية لمرحلة سياسية مختلفة قد تظهر بوادرها مع السنوات المقبلة القادمة؟



















عذراً التعليقات مغلقة