نخب الصحراء – هيئة التحرير
في سابقة من نوعها، أثار قرار منع الصحافة من حضور أشغال دورة مجلس جهة الداخلة لشهر أكتوبر جدلاً واسعاً داخل الأوساط الإعلامية والسياسية بالمدينة، بعدما تم حرمان منابر إعلامية من تغطية جلسة عمومية يفترض أن تكون مفتوحة أمام الرأي العام، باعتبارها شأناً يهم المواطنين والمجتمع المدني على حد سواء.
ويأتي هذا الفعل، الذي وُصف بالسابقة الخطيرة، في سياق وطني حساس يتزامن مع اقتراب المغرب من حسم ملف سيادته على الصحراء، ما يثير تساؤلات عميقة حول خلفيات هذا القرار الذي يُعد ضرباً صريحاً للأعراف الديمقراطية والقوانين المنظمة لحرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، الذي تكفله الدساتير والتشريعات الدولية. فمن المستفيد من تأزيم الأوضاع في وقت يتطلب أعلى درجات الرزانة السياسية والمسؤولية؟
وخلال دورة المجلس الجهوي الذي يرأسه الإستقلالي الخطاط ينجا، فوجئ الصحافيون بتطويق بوابة المجلس من طرف حراس يمنعونهم من الولوج، في مشهد وصفه بعض الحاضرين بـ”الديكتاتوري” والمنافي لأبسط مبادئ الشفافية والانفتاح. تدخل بعض الأعضاء لمحاولة تدارك الموقف، إلا أن الحراس أكدوا أن الأوامر صادرة عن مسؤول إداري نافذ، يُعرف داخل أروقة المجلس بتسلطه الغبي وديكتاتوريته التافهة.
هذا التصرف، وفق عدد من المتتبعين، جعل من مؤسسة الجهة قلعة مغلقة، ومصدر استياء لدى العديد من الفاعلين الذين اعتبروا أن المجلس انحرف عن مساره كمؤسسة منتخبة تمثل المواطنين وتخضع للمساءلة، لا كقلعة محصنة تدار بمنطق الولاءات والمزاج الشخصي.
ولم تقف تداعيات هذا المنع عند حدود الإقصاء الإعلامي، إذ تزامنت الدورة مع احتجاجات اجتماعية هزت مدينة الداخلة مساء اليوم نفسه، حين أقدمت عدد من الأسر على اقتحام مشروع السكن الاجتماعي المنجز من طرف مجلس الجهة، في خطوة عكست حجم الاحتقان الذي يعيشه الشارع الدخلاوي، وكشفت عمق الأزمة التي تتخبط فيها المؤسسة الجهوية.
من هنا نطرح أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها: هل فقد مسؤولو المجلس بوصلتهم السياسية والتنموية؟ وكيف يُعقل أن تُمارس مثل هذه التصرفات في مرحلة دقيقة من تاريخ الصحراء المغربية، حيث تتطلب اللحظة الرزانة وحسّ المسؤولية لا الديكتاتورية والتمرد؟
إن ما وقع داخل مجلس جهة الداخلة ليس مجرد حادث عابر، بل ناقوس خطر يدقّ بقوة في وجه التجاوزات، ومؤشر على تراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة التي وجدت لخدمة المواطن لا لإقصائه، ولإشراك الإعلام لا لتكميمه.
فالمرحلة التي نعيشها لا تحتمل العبث السياسي ولا المراهقة الإدارية، بل تحتاج إلى رجال دولة يُدركون أن الصحراء ليست مجالاً لتصفية الحسابات أو استعراض النفوذ، بل قضية وطن ومسؤولية تاريخية.
لقد آن الأوان لأن يفهم البعض أن الانفتاح والتواصل هما السبيل إلى البناء، لا الانغلاق والتمرد، وأن الوطن لا يقوم إلا برجالٍ يؤمنون بأن المسؤولية تكليف لا تشريف، وخدمة لا تسلط.


















