مدينة العيون .. بين الزينة الظاهرة والفراغ الخفي

26 أكتوبر 2025
مدينة العيون .. بين الزينة الظاهرة والفراغ الخفي

نخب الصحراء – افتتاحية

منذ سنوات، ومدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، تعيش على وقع جمود غير مسبوق لم تعرفه حتى في الفترات السابقة. فهذه المدينة، التي كانت بالأمس القريب من أكثر المدن الصحراوية نشاطًا وبهجة، تحتضن أمسيات فنية ومهرجانات وطنية وثقافية كبرى، أصبحت اليوم تعاني ركودًا حادًا أثار حيرة ساكنتها ودفع الكثيرين إلى توجيه الأنظار نحو مدنٍ مجاورة أكثر حيوية، مثل الطانطان بموسمها الشهير، والداخلة بمهرجاناتها السينمائية، وكلميم بأسبوع الجمل المعروف.
هذا التراجع الملحوظ، الذي لا ينسجم مع الطفرة العمرانية التي تشهدها المدينة، يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب غياب التظاهرات والأنشطة الثقافية عن عاصمة الصحراء المغربية ؟

فمدينة العيون التي تعيش اليوم على وقع الاستعداد للاحتفال بالحدث التاريخي للذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء، لازالت تعيش على وقع غياب الأنشطة، خاصة في هذه الظرفية التي تتطلب تضافر الجهود من كافة الأطراف لخلق برامج فنية وثقافية تُنعش المدينة وتمنح ساكنتها متنفسًا يليق بها.
ورغم الزينة التي تملأ الشوارع والأضواء التي تتلألأ في الساحات، إلا أن العيون اليوم تشبه العروس التي لم يحضر أحد زفافها “عروس مزوقة والخيمة خاوية”.
فاليوم، الساكنة في حاجة ماسة إلى مبادرات حقيقية وأنشطة تُعيد الحياة إلى الشوارع المزخرفة والساحات الخضراء التي تفتقد الروح والحركة.

في محاولة لفهم خلفيات هذا الركود، تواصلت صحيفة “نخب الصحراء” الإلكترونية، مع أحد الفاعلين المعروفين بتنظيم الأنشطة الثقافية، والذي فضّل عدم الكشف عن هويته.
وقد أوضح أن من أبرز أسباب الجمود الحالي الانتقائية في منح الدعم، إذ تُمنح المساعدات لجمعيات معينة دون غيرها، وغالبًا ما تُرفق بشروط معقدة وصعبة التحقيق. وأضاف أن الولاء السياسي والمحسوبية يلعبان دورًا كبيرًا في تحديد من يُسمح له بتنظيم الفعاليات ومن يُستبعد.

وأشار المتحدث إلى أن مؤسسة الوالي بدورها ساهمت في تعطيل الحراك الثقافي، من خلال غياب التواصل مع الفاعلين الجمعويين وإغلاق الأبواب أمام المبادرات المدنية، حتى أصبح اللقاء بالمسؤولين أمرًا شبه مستحيل، مما زاد من إحباط المنظمين وأفشل الكثير من المشاريع الثقافية.

من جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن غياب الأنشطة عن المدينة لم يكن وليد الإهمال فقط، بل نتيجة الهاجس الأمني الذي جعل السلطات تتوجس من أي تجمعات جماهيرية كبيرة. ويعتبر هؤلاء أن هذا الحذر المفرط، وإن كان يهدف إلى الحفاظ على استقرار المدينة، فقد أدى عمليًا إلى خنق الإبداع ومنع فرص الترفيه عن الساكنة.

ورغم ذلك، تظل الاحتفالات الرياضية استثناءً لافتًا، إذ تخرج الجماهير للاحتفال بانتصارات فرقها الكروية دون تراخيص أو دعم رسمي، في مشهد يعكس تعطّش المواطنين لأجواء الفرح الجماعي والانتماء.

ورغم ما تزخر به العيون من مؤهلات سياحية طبيعية وتاريخية، كالكثبان الرملية والمنشآت التراثية، فإن القطاع السياحي يعيش بدوره ركودًا واضحًا بسبب غياب رؤية واضحة للتنشيط السياحي، وضعف الترويج للمقومات المحلية. فالسياحة لا تزدهر بالمنشآت فقط، بل تحتاج إلى برامج ومبادرات تخلق الحيوية وتجذب الزوار.

اليوم، وبين شوارع مزدانة بالأضواء وساحات خضراء بلا روح، تبدو العيون كالعروس المزينة التي غاب عنها المدعوّون. فالمدينة بحاجة ماسّة إلى إرادة حقيقية تُعيد إليها الحياة الثقافية والفنية، وتجعلها تستعيد مكانتها كقلبٍ نابضٍ في الصحراء المغربية.
إن العيون لا تفتقر إلى الجمال ولا إلى الإمكانات، بل إلى من يمنحها الفرصة لتتألّق من جديد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *