20 ملفاً ثقيلاً أمام النيابة العامة … هل تخرج المحاسبة من التقارير إلى قاعات المحاكم؟

28 يناير 2026
 20 ملفاً ثقيلاً أمام النيابة العامة … هل تخرج المحاسبة من التقارير إلى قاعات المحاكم؟

نخب الصحراء – أخبار

في خطوة تعكس تصاعد منسوب الضغط المؤسساتي في اتجاه تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كشف المجلس الأعلى للحسابات عن إحالة عشرين ملفاً وُصفت بالثقيلة على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، للاشتباه في أفعال قد ترقى إلى متابعات جنائية، تطال رؤساء جماعات، ومسؤولين بمؤسسات ومرافق عمومية.

وحسب التقرير السنوي للمجلس برسم سنتي 2024–2025، فإن هذه الملفات لا تتعلق بحالات معزولة، بل تهم 13 جماعة ترابية، وأربع مؤسسات عمومية، ومرفقاً من مرافق الدولة، إضافة إلى شركة عمومية وجمعية واحدة، في سياق نتائج الافتحاصات والرقابة التي باشرتها المحاكم المالية، والتي كشفت عن اختلالات بنيوية في تدبير المال العام.

وسجل التقرير أن المحاكم المالية أصدرت خلال الفترة ذاتها 4452 قراراً وحكماً نهائياً، انتهى أغلبها بإبراء الذمة بنسبة تقارب 95 في المائة، مقابل 217 قراراً أقرّ بوجود عجز في حسابات محاسبين عموميين، تجاوزت قيمته الإجمالية 57,88 مليون درهم، وهو رقم يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذا العجز ومسبباته الحقيقية.

المعطيات الرسمية أوضحت أن 95 في المائة من العجز المالي ناتج عن التقصير في اتخاذ الإجراءات القانونية لتحصيل الموارد، بينما لم تتجاوز نسبة الاختلالات المرتبطة بصحة النفقات 5 في المائة، ما يعيد النقاش مجدداً حول ضعف آليات التحصيل، وغياب الصرامة في تتبع الموارد العمومية، خاصة على مستوى الجماعات الترابية.

ورغم إشادة المجلس بالأثر الإيجابي لاعتماد الأنظمة المعلوماتية، وعلى رأسها نظام التدبير المندمج للنفقات، إلا أن التقرير لم يُخفِ قلقه من محدودية نجاعة مساطر التدقيق والبت، خصوصاً في ظل كلفتها المرتفعة، وتسارع وتيرة الرقمنة، وتطور منظومة المالية العمومية، بما يفرض إعادة النظر في نظام المسؤولية المعمول به.

وسجّل التقرير، في المقابل، أن تدخل المحاكم المالية قبل إصدار الأحكام النهائية مكّن من استرجاع أزيد من 16,43 مليون درهم، بعد توجيه ملاحظات وقرارات تمهيدية، وهو ما يؤكد أن جزءاً من النزيف المالي كان بالإمكان تفاديه لو توفرت إرادة التدبير الرشيد منذ البداية.

أما في مجال التأديب المالي، فقد أصدرت المحاكم أحكاماً في حق 99 شخصاً، شملت غرامات مالية تجاوزت 4,13 ملايين درهم، مع إلزام بعض المعنيين بإرجاع أزيد من 1,15 مليون درهم، في حين أُسقطت المؤاخذة عن ملفات أخرى لعدم ثبوتها.

ويرجع المجلس جانباً كبيراً من هذه الاختلالات إلى ضعف أنظمة الرقابة الداخلية، ونقص التنسيق بين المصالح، وخصاص الموارد البشرية، وتأخر المصادقة على الميزانيات، وهي أعطاب مزمنة تُثقل كاهل التدبير المحلي، وتُفرغ شعارات الحكامة من مضمونها.

اللافت في التقرير أن المؤسسات العمومية استأثرت بنحو 80 في المائة من القضايا المعروضة على المجلس والجماعات الترابية، بينما شكّلت قضايا رؤساء الجماعات والهيئات المنتخبة نسبة تقارب النصف من مجموع المتابعين على المستوى الجهوي، ما يفتح النقاش حول مسؤولية القرار السياسي في تدبير الشأن العام.

ورغم تسجيل إجراءات تصحيحية استباقية من طرف بعض الأجهزة، أفضت إلى أثر مالي إيجابي قُدّر بحوالي 629,2 مليون درهم، إلا أن السؤال الجوهري يظل معلقاً:

هل تكفي التقارير والأرقام لإقناع الرأي العام بأن المحاسبة لم تعد انتقائية؟ أم أن الطريق ما يزال طويلاً بين تشخيص الاختلالات وترتيب الجزاءات؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *