نخب الصحراء – توندونس الصحراء
من يزور محطة “أولاد زيان” بالدار البيضاء يدرك يقيناً معنى الفوضى المنظمة، حافلات متهالكة، تدافع ولغط بين المواطنين…والهدف الوحيد هو “الوصول” بأي ثمن. لكن، يبدو أن هذا النموذج السوسيولوجي العشوائي لم يعد حكراً على قطاع النقل، بل انتقل بعدواه لينتج لنا ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الحركية الحزبية الانتهازية” في الأقاليم الجنوبية. هذا التشابه، الذي شوه الممارسة السياسية وانحرف بها عن مسارها الصحيح ليصبح الوضع السياسي بالصحراء شبيه تماماً بوضع “محطة ولاد زيان”، سياسيون يتدافعون على الألوان السياسية، مغيرين قبعاتهم الحزبية بنفس السرعة والسهولة التي يغير بها مسافر بائس حافلته.
فما تشهده الساحة السياسية بالصحراء اليون هو عبثية مؤسساتية صريحة. فالمنتخب بات يتعامل مع الأحزاب كبنيات لوجيستيكية مؤقتة تفتقر إلى أي أصل تجاري أيديولوجي أو عقيدة سياسية ثابتة. والشعار المرفوع هو “اصعد متى شئت، وانزل متى شئت”، دون أي اعتبار للأرضية الفكرية للحزب. هكذا، نرى كائناً انتخابياً يرتدي عباءة “الأحرار” صباحاً، ليتحول مع آذان المغرب إلى “استقلالي” أو “پامي”…في مشهد يجسد “السيولة السياسية” في أبهى تجلياتها، حيث تذوب كل المبادئ أمام وهج المقاعد.
هذا السلوك الراديكالي في انتهازيته يضعنا وجهاً لوجه أمام معضلة بنيوية تتعلق بـ “أزمة تجديد النخب” وآليات إعادة إنتاج السلطة. كيف يمكن لذات الفاعل الذي يدعي تمثيل الإرادة العامة والدفاع عن قضايا الساكنة أن يغير عقيدته الحزبية “بين عشية وضحاها” دون أدنى شعور بالانفصام الفكري أو الوخز الأخلاقي؟ الجواب يبدو بسيطاً بقدر ما هو مقزز: إنه تقزيم ممنهج للمؤسسات، واحتقار صريح للمسار الديمقراطي، وتحويل لـ “صناديق الاقتراع” من آلية دستورية للمحاسبة الشعبية والتداول على السلطة، إلى مجرد سجل تجاري مدر للأرباح والامتيازات الحمائية.
فتواتر هذه المشاهد المقرفة مؤخراً بات دليل واضح عن حقيقة مريرة، مفادها أن قسماً كبيراً من النخبة السياسية بالصحراء ليس سوى “بروليتاريا سياسية”، لا تفقه في أدبيات الحكامة التدبيرية شيئاً… لقد نجح هؤلاء الصبيان في تحويل الفعل السياسي من سمو “تدبير الشأن العام” إلى ” فضاء للريع والإمتيازات”. والمفارقة هنا، أن بعضاً من هؤلاء “المسافرين الحزبيين” كان بالأمس القريب لا يملك ثمن عشائه، ليتنقل عبر رافعة “القفز المظلي السياسي” وبقدرة قادر تحول الى كبار رجال الأعمال، وصاحب شركات عابرة للمجالس، ومالك عقارات وفنادق مصنفة… فالسياسة في عقيدة هؤلاء هي في الأصل مشوهة، فالسياسية في نظرهم ليست نضالاً مدنياً ولا مشروعاً مجتمعياً، بقدر ماهي خطوط الإنتاج والربح السريع في بورصة “البيزنس الانتخابي”.
واستمرار هذا التدافع الهستيري لنخب الصحراء على أبواب التزكيات الحزبية، يعكس حالة مستعصية من “الأمية الأيديولوجية” والتصحر الفكري التي تحاكي في عمقها سيكولوجية “الراكب الانتهازي” بمحطة أولاد زيان. وطالما ظلت الأحزاب المركزية عاجزة عن فرض “الحصانة الفكرية” وتطهير صفوفها من “ركاب المصلحة” والموسميين، فالمشهد السياسي بالصحراء سيظل مجرد مسرحية هزلية تعيد إنتاج الريع، وتكرس التخلف المؤسساتي، وتفرز نخبًا كادحة فكرياً وعقيمة تنموياً… لا تنتج أفكاراً بقدر ما تراكم ثروات.
فالديمقراطية الحقيقية والمواطنة الحقة لا تُبنى بتغيير الأحزاب ولا بأساليب الإبتزاز السياسي او التفاوض على الريع باسم التزكيات…، بل تُشيد عبر نخب تؤمن بأن الحزب هو “مختبر للأفكار والسياسات العمومية”، وليس “حافلة نقل سري” لتهريب الأموال وتحقيق الثراء السريع وضمان الاستمرارية العائلية وتوريث المقاعد… ودون قطيعة جذرية وجريئة مع هذه “الممارسات الصبيانية”، ستبقى نخبنا السياسية عبارة عن مسافرين بلا حقائب ومؤسساتنا الدستورية مجرد محطات فوضوية بائسة بانتظار قطار تنمية لن يصل إليها أبداً.



















عذراً التعليقات مغلقة