نخب الصحراء – أخبار
في تصريحات أثارت الكثير من الجدل، وجه الأستاذ أحمد الصلاي، رئيس جمعية الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي بجهة الداخلة وادي الذهب، انتقادات لاذعة لما وصفه بظاهرة “توريث المناصب والنفوذ”، معتبراً أنها أصبحت من أبرز العوائق التي تواجه مسار التنمية وترسيخ دولة المؤسسات بالمغرب، خاصة في الأقاليم الجنوبية.
الصلاي لم يكتف بانتقاد أداء بعض الأحزاب السياسية في التعاطي مع القضايا الوطنية، بل ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن ما سماه “شبكات النفوذ العائلي” التي باتت، بحسب تعبيره، تتحكم في مفاصل القرار السياسي والاقتصادي والجمعوي، وتحول عدداً من المؤسسات المنتخبة والإدارية إلى فضاءات مغلقة يعاد فيها إنتاج نفس الوجوه ونفس المصالح.
وقال الصلاي إن عدداً من المجالس المنتخبة أصبحت تُدار بمنطق الوراثة السياسية أكثر مما تُدار بمنطق الاستحقاق والكفاءة، حيث تتكرر مشاهد انتقال المسؤوليات بين أفراد الأسرة الواحدة، من الأب إلى الابن، ومن الأخ إلى أخيه، ومن الزوج إلى زوجته، وكأن المناصب العمومية تحولت إلى ملكيات خاصة تُتناقل داخل الدوائر العائلية الضيقة.
واعتبر أن هذا النمط من التدبير يفرغ الممارسة الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، ويجعل التداول على المسؤولية مجرد عملية شكلية لا تغير من واقع احتكار السلطة المحلية والنفوذ الانتخابي.
وعلى المستوى الاقتصادي، انتقد الصلاي ما وصفه بتمركز الصفقات والمشاريع التنموية في أيدي فئات محدودة تربطها علاقات قرابة أو مصالح مشتركة، مشيراً إلى أن بعض المقاولات تستفيد بشكل متكرر من المشاريع العمومية، بينما تبقى فرص المنافسة الحقيقية محدودة أمام باقي الفاعلين الاقتصاديين. وأضاف أن استمرار هذا الوضع يساهم في إعادة إنتاج نفس مراكز القوة والنفوذ، ويحول التنمية إلى دائرة مغلقة يستفيد منها عدد محدود من الأشخاص.
كما وجه انتقادات إلى جزء من النسيج الجمعوي، معتبراً أن بعض الجمعيات فقدت دورها التأطيري والتنموي وتحولت إلى واجهات لتحقيق مصالح شخصية أو انتخابية، حيث يتم تداول المسؤوليات داخلها بين نفس الأسماء والعائلات، بعيداً عن مبادئ الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب.
ولم يستثن الصلاي الإدارة العمومية من انتقاداته، إذ أشار إلى أن منطق المحسوبية والزبونية ما زال، في بعض الحالات، يؤثر على الولوج إلى مواقع المسؤولية، وهو ما ينعكس سلباً على مردودية المؤسسات وثقة المواطنين في الإدارة.
وفي قراءته لواقع الجهوية المتقدمة، أكد أن هذا الورش الاستراتيجي الذي أطلقه المغرب من أجل تعزيز التنمية المحلية وتوسيع المشاركة في تدبير الشأن العام، قد يفقد جزءاً من أهدافه إذا استمرت ممارسات احتكار القرار وتوزيع المناصب وفق اعتبارات عائلية أو مصلحية، بدل الاحتكام إلى معايير الكفاءة والاستحقاق.
ودعا المتحدث إلى إرساء ثقافة جديدة في التدبير العمومي تقوم على تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تشديد الرقابة على الصفقات العمومية وآليات تدبير الشأن المحلي، وتعزيز دور المواطنين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في تتبع تدبير المال العام.
ويرى الصلاي أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود نصوص قانونية تجرم استغلال النفوذ أو المحاباة، بل يتعلق أيضاً بثقافة سياسية ما زالت تنظر إلى المنصب باعتباره امتيازاً أو غنيمة، بدل اعتباره مسؤولية وخدمة للمصلحة العامة.
وفي ختام تصريحاته، وجه رسالة مباشرة إلى الرأي العام المغربي، أكد فيها أن المناصب العمومية ليست ملكاً لأشخاص أو عائلات، وأن بناء دولة المؤسسات يقتضي القطع مع كل أشكال الاحتكار والتوريث السياسي والاقتصادي، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمساهمة في تدبير الشأن العام.
وتعيد هذه التصريحات إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول مستقبل النخب المحلية ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب. فبينما تحقق المملكة مكاسب دبلوماسية متواصلة في الدفاع عن وحدتها الترابية وقضية الصحراء، يظل الرهان الداخلي قائماً على تعزيز الحكامة الجيدة ومحاربة مظاهر الريع والاحتكار، بما يرسخ ثقة المواطنين في المؤسسات ويمنح التنمية بعدها الحقيقي القائم على العدالة وتكافؤ الفرص.



















عذراً التعليقات مغلقة