مباريات التوظيف تكشف هشاشة العدالة المجالية .. شباب الصحراء يطالبون بإنهاء مركزية مباريات التوظيف

27 يونيو 2026
مباريات التوظيف تكشف هشاشة العدالة المجالية .. شباب الصحراء يطالبون بإنهاء مركزية مباريات التوظيف

نخب الصحراء – أخبار

في الوقت الذي ترفع فيه شعار الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية كخيار استراتيجي لتقليص الفوارق بين الجهات، يجد اليوم آلاف الشباب بالأقاليم الجنوبية أنفسهم أمام واقع مغاير تماماً، عنوانه مركزية مفرطة في تدبير مباريات التوظيف، تجعل من حلم الوظيفة العمومية إلى كابوس شاق ومكلف.

فكل إعلان لمباراة توظيف يعني بالنسبة لشباب القاطن بالصحراء، الاستعداد لرحلة طويلة نحو الرباط أو الدار البيضاء…، حيث تُنظم غالبية الاختبارات الكتابية والشفوية. رحلة لا تقتصر على عبء التنقل فحسب، بل تفرض تكاليف باهظة للإقامة والتنقل الداخلي والإعاشة، في وقت يعيش فيه عدد كبير من حاملي الشهادات أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب البطالة وغياب فرص الشغل.

وتزداد المعاناة مع محدودية الرحلات الجوية وارتفاع أسعار التذاكر، خاصة في فترات تنظيم المباريات، ما يدفع كثيراً من الشباب إلى اللجوء إلى الحافلات في رحلات قد تتجاوز 24 ساعة من السفر المتواصل، قبل الوصول إلى مراكز الامتحانات في حالة من الإرهاق الجسدي والذهني، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أدائهم وقدرتهم على المنافسة في ظروف تنافي تماماً مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة مع مترشحين القاطنين بمدن الشمال والقريبين من مراكز الاختبارات.

ولا تتوقف كلفة هذه الرحلات عند الجانب المادي، بل تمتد إلى آثرها النفسي، إذ يعود كثير من الشباب بعد أيام من التنقل والإنفاق، دون أن يحالفهم النجاح، لتتحول كل مباراة إلى مغامرة مجهولة النتائج تستنزف ما تبقى من إمكانياتهم، وتعمق لديهم الإحساس بالإقصاء وفقدان تكافؤ الفرص.

هذا الواقع المؤام بات يطرح تساؤلات ملحة حول مدى انسجام تدبير مباريات التوظيف مع فلسفة الجهوية المتقدمة، التي يفترض أن تجعل الإدارة أقرب إلى المواطن، وأن تضمن توزيعاً أكثر عدلاً للخدمات والفرص بين مختلف جهات المملكة. فكيف يمكن الحديث عن عدالة مجالية بينما لا يزال شباب الأقاليم الجنوبية مطالبين بقطع آلاف الكيلومترات لاجتياز مباراة قد لا تستغرق سوى ساعات قليلة؟ وكيف يمكن ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في ظل تفاوت واضح في ظروف الولوج إلى المباريات بين أبناء الجهات؟

وفي ظل هذه الإكراهات، تتجدد الدعوات إلى مراجعة آليات تنظيم مباريات التوظيف، من خلال اعتماد توزيع جهوي لمراكز الامتحانات، وتنظيم الاختبارات الكتابية والشفوية بالحواضر الكبرى في الأقاليم الجنوبية، وعلى رأسها العيون والداخلة وكلميم، بما يخفف أعباء التنقل عن المترشحين شباب الصحراء، ويجسد فعلياً مبادئ اللامركزية والإنصاف المجالي. كما يطالب عدد من الفاعلين بفتح نقاش جاد حول اعتماد توزيع جهوي للمناصب في بعض المباريات، بما يراعي خصوصيات الجهات ويضمن حضوراً أكبر لأبنائها في المؤسسات والإدارات العمومية.

وتكتسي هذه المطالب أهمية أكبر في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة بالأقاليم الجنوبية، حيث يجد الشباب أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين محدودية فرص الشغل وارتفاع كلفة البحث عنها، الأمر الذي يوسع الفجوة بين الخطاب الرسمي الداعي إلى تقليص الفوارق المجالية، وبين واقع يكرس، في نظر كثيرين، تفاوتاً في فرص الولوج إلى الوظيفة العمومية.

وفي خضم هذا المشهد العبثي، تتجه الأنظار اليوم إلى المنتخبين والبرلمانيين وممثلي الجهات الجنوبية وكل الفاعلين والمتداخلين، الذين ينتظر منهم الشباب القيام بدور أكثر فاعلية في الترافع عن هذا الملف داخل المؤسسات التشريعية، والدفع نحو إصلاحات جادة لتحقيق عدالة إجتماعية حقيقيةو عملية تضمن تقريب مراكز المباريات من ابناء وشباب الأقاليم الجنوبية، وتحقيق تكافؤ حقيقي في الفرص بعيداً عن منطق المركزية الذي أصبح يشكل أحد أبرز التحديات أمام شباب الصحراء.

وفي خضم هذا الواقع، تتصاعد أصوات عدد متزايد من شباب الأقاليم الجنوبية، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال تدوينات ونداءات متكررة، مطالبة بإنهاء مركزية مباريات التوظيف ووضع حد لما يعتبرونه حيفاً مجاليًا يتكرر مع كل استحقاق. ويرى هؤلاء أن تحقيق العدالة المجالية لا يقتصر على الشعارات، بل يقتضي تقريب مراكز إجراء المباريات من المواطنين، واعتماد توزيع أكثر إنصافاً يراعي خصوصيات الجهات ويضمن تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، بعيداً عن معيار القرب الجغرافي. وبين واقع المعاناة واستمرار المطالب، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستجيب الجهات الوصية لهذا المطلب المشروع، أم سيظل شباب الصحراء يدفعون، في كل مباراة، فاتورة الجغرافيا؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة