نخب الصحراء – كريم تكنزا | مدير النشر
لم يكن خطاب العرش لهذه السنة خطاباً تقليدياً يستعرض المنجزات أو يكرر المواقف المعروفة بشأن قضية الصحراء المغربية، بل جاء مختلفاً في بنيته ورسائله. فقد اختار الملك محمد السادس أن يوجه الأنظار نحو ما بعد تثبيت المكاسب الدبلوماسية، معلناً عملياً دخول المغرب مرحلة جديدة عنوانها بناء القوة الاقتصادية والسيادة الصناعية، وهي مرحلة تبدو الأقاليم الجنوبية أحد أهم محركاتها.
فمنذ سنوات، كان الخطاب الملكي يخصص حيزاً مهماً للتطورات المرتبطة بقضية الصحراء، سواء من حيث الاعترافات الدولية أو المبادرات السياسية أو مشروع الحكم الذاتي. أما اليوم، وبعد التحولات الكبرى التي شهدها الملف، وفي مقدمتها الاعتراف الأمريكي، والدعم الفرنسي، واتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، أصبح الخطاب يتعامل مع الصحراء باعتبارها جزءاً طبيعياً من المشروع الوطني الكبير، وليس مجرد ملف سياسي منفصل.
وهذا التحول في حد ذاته يحمل دلالة سياسية قوية؛ إذ إن المغرب لم يعد يقدم الصحراء باعتبارها منطقة تنتظر الحل، بل باعتبارها فضاءً للإنتاج والاستثمار والتصنيع والانفتاح على إفريقيا والعالم.
الصحراء… ركيزة السيادة الاقتصادية
عندما تحدث الملك عن الصناعات الاستراتيجية، والهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والسيادة الصناعية، وسلاسل الإنتاج العالمية، فإنه يرسم خريطة اقتصادية تبدو الأقاليم الجنوبية في قلبها.
فالعيون والداخلة لم تعودا مجرد مدينتين في أقصى الجنوب، بل تحولتا إلى منصتين اقتصاديتين تتقاطع فيهما مشاريع الموانئ الكبرى، والهيدروجين الأخضر، والصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، والربط مع العمق الإفريقي.
وما توقيع اتفاقيات جديدة مرتبطة بالأمونيا والهيدروجين الأخضر في مدينة العيون، إلا جزء من هذا التوجه الذي يجعل الصحراء مختبراً للنموذج الاقتصادي المغربي الجديد.
رسالة إلى النخب المحلية
رغم أن الخطاب لم يسمِّ أحداً، إلا أنه حمل رسالة واضحة إلى النخب السياسية والمنتخبة في الأقاليم الجنوبية.
فالملك تحدث عن التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية، وعن ضرورة تعبئة الاستثمار، ومواصلة الإصلاحات، وربط المسؤولية بالنتائج.
وهي إشارات يمكن قراءتها باعتبارها دعوة للانتقال من منطق تدبير المجالس والانتخابات إلى منطق إنتاج الثروة وخلق فرص الشغل وتحقيق التنمية الحقيقية.
فالدولة اليوم تستثمر مليارات الدراهم في الجنوب، بينما ينتظر المواطن أن تنعكس هذه الاستثمارات على التشغيل والخدمات وجودة العيش، لا أن تبقى مجرد أرقام في التقارير الرسمية.
الانتخابات المقبلة … اختبار للنخب
اللافت أيضاً أن الخطاب ربط بين الانتخابات التشريعية المقبلة وبين إطلاق دورة جديدة من التنمية.
وهذا الربط يحمل رسالة سياسية مفادها أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد تنافس انتخابي، بل ستكون مرحلة فرز للنخب القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى التي يعرفها المغرب.
فالصحراء اليوم ليست بحاجة فقط إلى منتخبين يفوزون بالمقاعد، بل إلى كفاءات قادرة على إدارة مشاريع بمليارات الدراهم، واستقطاب الاستثمار، وتحويل الإمكانات الطبيعية إلى قيمة مضافة وفرص عمل.
الصحراء … من ملف دبلوماسي إلى ورقة قوة
يمكن القول إن المغرب انتقل في تعامله مع الصحراء من منطق الدفاع عن الوحدة الترابية إلى منطق توظيف هذه الوحدة في بناء قوة اقتصادية إقليمية.
فكلما أصبحت الصحراء مركزاً للصناعة والطاقة واللوجستيك والاستثمار، ازدادت كلفة أي أطروحة تنازع المغرب في سيادته، لأن الوقائع الاقتصادية تصبح أقوى من الخطابات السياسية.
وهذا هو الرهان الحقيقي الذي يشتغل عليه المغرب اليوم؛ إذ لم تعد معركة الصحراء تُخاض فقط داخل أروقة الأمم المتحدة، بل أيضاً داخل الموانئ والمناطق الصناعية ومشاريع الطاقة والبنيات التحتية.
ويؤكد خطاب العرش أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير قضية الصحراء؛ مرحلة لا تقوم فقط على الدفاع عن السيادة، بل على تحويل الأقاليم الجنوبية إلى رافعة للقوة الاقتصادية الوطنية.
فالرسالة الأساسية للخطاب هي أن مستقبل الصحراء لن يُصنع بالشعارات، وإنما بالاستثمار والإنتاج والتشغيل والابتكار. وإذا كانت السنوات الماضية قد كرست الاعتراف السياسي بمغربية الصحراء، فإن السنوات المقبلة ستكون معركة ترسيخ هذه السيادة عبر الاقتصاد والتنمية، وهو التحدي الأكبر الذي ينتظر الدولة، كما ينتظر النخب السياسية والمنتخبة في الأقاليم الجنوبية.



















عذراً التعليقات مغلقة