نخب الصحراء – ياسر اليعقوبي : باحث ومهتم بالسياسات العامة
في صميم النموذج التنموي الجديد الذي ينشده المغرب، يبرز إشكال عويص يتمثل في فاعلية ومصداقية الفعل السياسي. فبينما تحتل الدولة، عبر أجهزتها التكنوقراطية وموظفيها الذين اكتسبوا الثقة والذين يعول عليهم حتى بعد بلوغهم ما فوق السبعين، مركز الصدارة في تصميم وتنفيذ الإستراتيجيات الكبرى، وتسيير المؤسسات الحيوية، يتقهقر دور الأحزاب السياسية في صياغة السياسات العمومية وتنزيلها إلى هامش المشهد وتعلق عليهم معظم الإخفاقات. هذا الانزياح يطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الخيار الديمقراطي ومستقبل التمثيلية في المملكة.
- أزمة الفاعل :
“بنية تحتية متصدعة للحياة الحزبية”.
تكشف المعاينة الموضوعية عن إشكاليات بنيوية تعاني منها جل الأحزاب المغربية:
- فقر الموارد وعقم التشخيص:
تعاني معظم التشكيلات من شحٍّ كارثي في الموارد البشرية المؤهلة والتمويل المستدام. فالفعل التواصلي الجوهري هو شرط إمكانية الديمقراطية الحقة.
كما قال الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس”.
هذا العوز يحول دون القيام بدراسات ميدانية معمقة، أو إنتاج تشخيصات دقيقة للواقع الاجتماعي والاقتصادي، أو بلورة رؤى استراتيجية جريئة ومتماسكة ومعقولة. - تآكل المضمون وارتهان الخطاب :
نتيجة هذا العوز، يفتقر النقاش السياسي غالباً إلى الجوهر، ويتحول إلى مجرد خطاب انتخابوي أو شعبوي أو صراع على المغانم. و هنا تبرز الحاجة للإخلاص في خدمة الشأن العام، كما جسده الزعيم الهندي “المهاتما غاندي” بقوله: الإخلاص في القول والفعل هو أساس كل فضيلة. - انفصال النخب وتآكل الجسور:
أدى هذا الوضع إلى هوة سحيقة بين الطبقة السياسية التقليدية وبين الشباب والنخب الفكرية والكفاءات الوطنية، الذين يرونها غير قادرة على تمثيل طموحاتهم أو فهم تحولات مجتمعهم بل و يشككون في قدرتها على تغيير الحال الى الأفضل.
يصف المفكر “محمد عابد الجابري” جزءاً من هذه المعضلة بقوله: أزمة الفكر السياسي العربي هي أزمة أدوات ومناهج قبل أن تكون أزمة مبادئ.
هذا الانفصال يتناقض مع نموذج الأحزاب في الدول الاسكندنافية مثلا، حيث يتم استقطاب الكفاءات بشكل منهجي، و يتم ضخ دماء جديدة بعقليات تستجيب لتطور المجتمعات.
- التكلفة الديمقراطية أوالانهيار الصامت
“هذا الوضع ليس مجرد إشكال تنظيمي، بل له كلفة ديمقراطية باهظة”
- تراجع الثقة و هدم الشرعية:
يشهد المغرب أزمة تمثيل صامتة، تتجلى في تدني نسب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، خاصة لدى الشباب، وفقدان الثقة المتزايد في المؤسسات التمثيلية.
وهنا نطرح السؤال:
كم ستبلغ نسبة المشاركة إن تم القطع مع الممارسات الشاذة خلال الحملات الانتخابية؟
لأن شرعية النظام السياسي هي رصيد لا يُقدَّر بثمن.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله على أهمية الثقة بقوله: “الثقة كالزجاج، سهلة الكسر وصعبة الإصلاح”. - إنسحاب المواطن وتقلص الفضاء العام:
ينعكس هذا في عزوف المواطن عن الشأن العام، وتراجع روح المبادرة والانخراط المدني البناء، مما يضعف النسيج الاجتماعي ويحد من طاقة التغيير الإيجابي. يقول الفيلسوف الفرنسي “ألكسيس دو توكفيل: قوة المجتمع تكمن في انخراط مواطنيه النشيطين في الشأن العام. - هدر الطاقات وإعاقة التحول:
تفقد البلاد فرصاً ثمينة لاستقطاب الكفاءات والخبرات القادرة على المساهمة الفعالة في عملية البناء والتحول المنشود، فتظل حبيسة حلقة التسيير التكنوقراطي بعيداً عن الشرعية السياسية الواسعة. - عطب البنية:
“أحزاب تقليدية في مواجهة اليوم و الغد”.
يكشف التشخيص عن بنية حزبية تعاني من أعراض “الهرم” و”الجمود”:
أ. تكلس الهياكل وتجمد الدماء:
تسود هياكل داخلية مغلقة وضعيفة التداول، تكرس الزعامات التقليدية وتحد من انخراط القواعد وخاصة الشباب والنساء، بعيداً عن النموذج الديمقراطي الداخلي الذي طبقته أحزاب مثل (حزب العمال البريطاني) تحت قيادة توني بلير.
رغم أن القوانين الانتخابية شجعت من خلال حصة مهمة للنساء، على الدفع بخيار التمييز الإيجابي، غير أن غياب مبدأ المعايير و الأهلية في المترشحات، كرست الدفع بالمقربين و سيادة الزبونية على حساب الكفاءة و هنا لا أعمم طبعا.
ب. إستنزاف الفكر وغياب البوصلة:
تعاني المرجعيات الفكرية من فقر وتشوش، فغابت الرؤى الإيديولوجية المتميزة والملهمة التي تستجيب لتحديات العصر المعقدة (الرقمنة، العدالة المناخية، التنمية البشرية، الهوية في زمن عولمة السلوكيات).
ت. انفصال البرامج وتهافت الوعود:
تفتقر البرامج الحزبية (إن وجدت) إلى الواقعية والجرأة والانسجام، وغالباً ما تكون مجرد وعود عامة لا ترتكز على تشخيص علمي ولا تقدم حلولاً عملية مبتكرة للتحديات الراهنة والمستقبلية بل تتشابه في معظم الأحيان دون خط ناظم يتماهى مع المرجعية الفكرية.
- مقترحات للتجديد :
“ورشة مزدوجة للإنقاذ”.
الخروج من هذا المأزق يتطلب جرأة في فتح ورشين متلازمين:
- التجديد الفكري والمرجعي من خلال إعادة البناء من الجذور.
أ. إعادة تعريف الهوية:
على كل حزب أن يعيد تعريف هويته ومرجعيته وقيمه الأساسية في سياق التحولات المجتمعية والثقافية العميقة.
ما الذي يميزه حقاً؟
وما قيمه الجوهرية غير القابلة للمساومة؟
هنا يبرز دور الإخلاص للمبادئ، كما قال الزعيم الأمريكي “ابراهام لنكولن”: أهم إخلاص هو الإخلاص للحقيقة ولضميرك.
ب. استيعاب التحولات:
و هنا تبرز ضرورة تطوير أدوات فكرية قادرة على فهم واستيعاب التحولات الكبرى وبلورة رؤى استشرافية تعيد وصل الحزب بمختلف شرائح المجتمع، وخاصة الشباب، مستفيدين من تجارب دول مثل (سنغافورة) في التخطيط الاستراتيجي و (رواندا) في تشجيع العمل التطوعي.
ت. الحوار الوطني الجاد:
انطلاقا من تشجيع حوار وطني شامل حول النموذج المجتمعي المنشود، تتقدم الأحزاب بمشاريعها الفكرية الواضحة ضمن هذا النقاش، بعيداً عن القوالب الجاهزة و بالمقابل، يفسح المجال للمجتمع المدني و النقابات و الجامعات و المعاهد و المفكرين و رجال الدين و الفلاسفة للإسهام البناء في إغناء النقاش بعيدا عن التراشق و التطاول وفي إحترام تام للرأي و الرأي الآخر مع مراعاة خصوصيات المجتمع المغربي بجميع روافده. - التجديد البرامجي والمؤسساتي:
“نمر من النظرية إلى الممارسة”.
أ. بناء برامج واقعية وجريئة من خلال الانتقال من الشعارات الرنانة إلى بناء برامج سياسية متكاملة، تستند إلى تشخيص دقيق (باستخدام مراكز بحثية مستقلة أو من خلال المعطيات الدقيقة التي تتوفر عليها الدولة) مع تسقيف زمني، وتقدم حلولاً عملية وقابلة للتنفيذ، وتتسم بالجرأة و الواقعية لمواجهة التحديات الكبرى.
بمعنى أن السياسات العمومية تنبثق من المجتمع و واقع الحال و لا تفرض من فوق وحتى وإن كانت جيدة فالإجماع ضمانة الإنخراط.
يقول الإقتصادي الأمريكي “جوزيف ستيغليتز”: البرامج الاقتصادية الفاعلة هي تلك المبنية على فهم عميق للواقع المؤسسي والإجتماعي.
ب. تحديث البنية الداخلية:
من خلال إصلاح الهياكل التنظيمية للأحزاب لتصبح أكثر شفافية وديمقراطية داخلياً مع سهر الدولة على إحترام القوانين و المساطر (على الدولة أن تسهر على إنجاح ورش الديمقراطية) و الحد من التدخل الخارجي عن الحزب قصد دعم فلان أو علان و محاربة الكولسة و الولاءات، والإنفتاح على الكفاءات، من خلال فرض معايير للحصول على تزكيات الاحزاب التي أصبحت مع الأسف، عبارة عن مأذونيات لتفريخ مرشحين في غالبية الأحيان، شاردين و مفتقرين للثقافة الحزبية و السياسية و التدبيرية، بل و في أحيان عديدة أوصلت مجرمين إلى مقاعد تدبير الشأن العام و غرفتي التشريع، و تعزيز آليات تكوين المناضلين عوض تكوين المنتخبين و الذي يمثل هدرا زمنيا كبيرا و تكلفة تنموية باهظة الثمن وإعداد القيادات الشابة الواعدة، على غرار “أكاديميات القيادة” في أحزاب أوروبا الغربية مع التشديد على مبدأ التداول عوضا عن الخلود.
دماء جديدة من أجل فعل مختلف و متجدد.
ت. الانفتاح على المجتمع:
بناء جسور متينة مع المجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، والمراكز البحثية، لاستقطاب الخبرات وإثراء البرامج وتجذيرها في الواقع قصد تجويد الفعل و تنشيط إنتاج الأفكار و ابداع الحلول، كما قال الأديب والسياسي الراحل “عبد الكريم غلاب”:
لا سياسة دون ثقافة، ولا ثقافة دون انفتاح على آلام وآمال الناس.
- تسريع الإنتقال الديمقراطي الحقيقي :
“رهان الشرعية والفعالية”
هذا التجديد ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة إستراتيجية وجودية:
أولا،لمواكبة النموذج التنموي:
يجب أن يكون التجديد السياسي حاضناً وموجهاً، وليس تابعاً أو معرقلًا، للنموذج التنموي الجديد، لضمان شرعيته الشعبية وفعاليته.
ثانيا، لإعادة الاعتبار للسياسة:
يجب العمل على إعادة المعنى الحقيقي للعمل السياسي كخدمة عمومية وتضحية من أجل المصلحة العامة، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسات الديمقراطية و الإخلاص للوطن والمواطن المواطنين. ويتجلى الإخلاص هنا في تجسيد قول الإمبراطور الروماني “ماركوس أوريليوس”: ما فائدة القول دون الفعل.
لأن الإخلاص الحقيقي يظهر في العمل و ليس في الشعارات.
ثالثا، خلق فضاءات المشاركة:
يجب توفير فضاءات حقيقية للتعبير والمشاركة في صنع القرار، تماشياً مع مقتضيات الديمقراطية الحديثة والتطلعات الدستورية كتكريس حرية الصحافة مثلا و لكن قبل ذلك، يجب تطهير الجسم الصحافي و وضع إطار قانوني واضح يضمن حق القلم و في نفس الوقت واجبات صاحبه.
و في الختام يجب أن ينخرط المغرب في تعاقد جديد يربطه بالمغاربة و ينظم علاقات المغاربة فيما بينهم.
المغرب، بكل إمكانياته البشرية والحضارية، يستحق فضاءً سياسياً متجدداً، فضاء تتقاطع فيه الكفاءة مع النزاهة، والرؤية مع الجرأة، والانتماء مع الانفتاح على المستقبل.
إن التجديد السياسي الجوهري لم يعد خياراً، بل هو شرط أساسي لشرعية أي مشروع مجتمعي طموح وضمانة لا غنى عنها لنجاح النموذج التنموي المنشود في ظل العيش بالأمن والأمان و بلوغ مجتمع السعادة و الرخاء.
إنه دعوة لفعل جديد، يكون فيه الحزب مدرسة للديمقراطية، ومنبراً للأفكار، وقاطرة للتغيير المنشود، كما أراد له رواد الحركة الوطنية. على حد تعبير الزعيم التاريخي “علال الفاسي”: الحزب ليس جماعة مصالح، بل هو جماعة مبادئ وتضحيات في سبيل الأمة.
وها هو المغرب اليوم، و الحمد لله، على أعتاب تحولات كبرى، في أمس الحاجة إلى أحزاب تستحضر هذه الروح، وتُجدد أدواتها، وتتحلى بالإخلاص للوطن و للملك وللمواطنين، لقيادة مسيرة البناء الديمقراطي بثبات ورؤية واضحة.
مستقبل الديمقراطية المغربية رهين بهذا التحول الجوهري في إطار قوانين حاضنة للمعقولية و مؤسسات ساهرة على تطبيقها و كابحة للتسيب و الهمجية التدبيرية.


















