نخب الصحراء – بثينة ساريد
تشكل الزيادة الأخيرة في أسعار الكازوال بنسبة 10% والبنزين بنسبة 15.3% أكثر من مجرد ارتفاع في تكاليف التنقل، إذ إن آثارها تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية للمواطن. فهذه الزيادات تُعتبر “مركبة”، حيث تتسلسل انعكاساتها لتؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على القدرة الشرائية وعلى استقرار الأسعار في الأسواق.
أول هذه الانعكاسات يظهر في أسعار المواد الغذائية. فالكازوال يمثل العمود الفقري لقطاع نقل البضائع، خاصة الخضر والفواكه والسلع الأساسية التي تُنقل من الموانئ والمناطق الزراعية إلى المدن. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في تكلفة الوقود يترجم سريعاً إلى زيادات في أسعار هذه المنتجات، مما يثقل كاهل الأسر، خاصة محدودة الدخل.
كما أن قطاع النقل العمومي لن يكون بمنأى عن هذه التغيرات. فالزيادة في أسعار الوقود تضع ضغطاً مباشراً على سائقي سيارات الأجرة والنقل بين المدن، وهو ما قد يدفع إلى مراجعة التعرفة نحو الأعلى. ومع ارتفاع تكاليف التنقل اليومي، يجد الموظفون والعمال أنفسهم أمام مصاريف إضافية تؤثر على ميزانياتهم الشهرية.
من جهة أخرى، يبرز موضوع ارتفاع سعر الغاز المنزلي كعامل إضافي للضغط على الأسر. فرغم الحديث الرسمي عن استمرار الدعم، فإن الواقع يشير إلى زيادة ملموسة قد تصل إلى نحو 40% في سعر القنينة الصغيرة. وبما أن الغاز مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، فإن هذه الزيادة تؤدي إلى تقليص مخصصات الغذاء أو المصاريف الضرورية الأخرى، وقد تدفع بعض الأسر إلى اللجوء لبدائل أقل أماناً مثل الفحم، بما يحمله ذلك من مخاطر صحية وبيئية.
أما الإجراءات الحكومية المتعلقة بتقليص النفقات، مثل اقتطاع جزء من رواتب المسؤولين أو تخفيض المصاريف الإدارية، فهي خطوات إيجابية من الناحية الرمزية، لكنها تبقى محدودة الأثر اقتصادياً. فحجم المبالغ الموفرة يظل ضئيلاً مقارنة بالعبء الذي تتحمله ملايين الأسر نتيجة ارتفاع الأسعار. وكان من الممكن أن تكون هذه الإجراءات أكثر تأثيراً لو تم توجيهها نحو دعم مباشر للفئات الهشة.
وفي السياق نفسه، يثير قرار تقييد حركة السيارات ليلاً تساؤلات حول أثره على الاقتصاد المحلي، خصوصاً الأنشطة الليلية الصغيرة مثل المطاعم وخدمات التوصيل والمتاجر. فهذه القطاعات تعتمد بشكل كبير على الحركة الليلية، وأي قيود قد تؤدي إلى تراجع مداخيل العاملين فيها.
في الإجماع، تبدو هذه الإجراءات جزءاً من سياسة مالية انكماشية تهدف إلى تقليص العجز، لكنها تنقل جزءاً كبيراً من هذا العبء إلى المواطن. وللتخفيف من آثارها، يصبح من الضروري تعزيز مراقبة الأسواق لمنع الزيادات غير المبررة في الأسعار، وتفعيل الدعم المباشر للأسر الأكثر هشاشة، إضافة إلى الاستثمار في النقل العمومي كبديل أقل تكلفة وأكثر استقراراً.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في ضبط التوازنات المالية، بل في ضمان ألا تتحمل الأسر وحدها كلفة الإصلاحات الاقتصادية، بما يحافظ على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي في آن واحد.



















عذراً التعليقات مغلقة