نخب الصحراء – تقرير
في زمن يتصاعد فيه النقاش العمومي حول نجاعة العمل البرلماني وربط المسؤولية بالمحاسبة، لم يعد الاكتفاء بالخطابات السياسية أو الحضور الرمزي داخل قبة البرلمان كافياً لإقناع الرأي العام. فـ”لغة الأرقام”، كما تكشفها صحافة البيانات، باتت المعيار الأكثر دقة لقياس أداء ممثلي الأمة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأحد أهم أدوار البرلماني: مساءلة الحكومة.
في هذا السياق، كشف تقرير اعدته جريدة هسبريس الوطنية، اعتمدت فيه معطيات رسمية من موقع مجلس النواب، ليفتح التقرير ما بات يُعرف بـ”النواب الصامتين”، أولئك الذين لم يسبق لهم أن طرحوا أي سؤال شفوي منذ انطلاق الولاية التشريعية الحالية إلى غاية 12 يناير 2026.
لغة الأرقام كانت صادمة، 68 نائباً برلمانياً من أصل 395 لم يسجلوا أي سؤال شفوي، أي ما يعادل 17.22% من مجموع النواب، ظلوا خارج دائرة المبادرة الرقابية لأزيد من أربع سنوات.
هذه المعطيات لا تحاكم النوايا، لكنها تضع الأداء تحت المجهر، وتطرح أسئلة محرجة حول وظيفة التمثيل البرلماني وجدواه.

وضمن هذه اللائحة، يبرز حضور أسماء وازنة من حزب الاستقلال، خاصة من الأقاليم الجنوبية، حيث يحظى الحزب بثقل انتخابي وتنظيمي كبير، ما يجعل الصمت أكثر إثارة للجدل.
حمدي ولد الرشيد .. الـ” Boss” الإستقلالي بالصحراء خارج القبة؟
من بين نواب الصحراء برز اسم حمدي ولد الرشيد الذي يعد أحد أبرز الوجوه السياسية بالصحراء، وفاعلاً مركزياً في التوازنات الحزبية والانتخابية، غير أن غياب اسمه عن لائحة المبادرات الرقابية الشفوية يفتح باب التساؤل .. هل يكتفي بعض “الأعيان السياسيين” بتدبير النفوذ خارج البرلمان، مقابل حضور باهت داخل المؤسسة التشريعية؟ وهل تحولت الصفة البرلمانية لدى بعض القيادات إلى مجرد امتداد رمزي للسلطة المحلية والحزبية ؟
خولة الخرشي .. تمثيلية نسائية بلا صوت رقابي؟
بالنسبة لخولة الخرشي، يطرح التقرير إشكالاً مضاعفاً، ليس فقط من زاوية الأداء البرلماني، بل أيضاً من زاوية التمثيلية النسائية التي يُفترض أن تكون رافعة لقضايا اجتماعية وتنموية وحقوقية.
غياب أي سؤال شفوي مسجل باسمها يعيد طرح سؤال دور النساء البرلمانيات داخل أحزاب تقليدية، وحدود استقلاليتهن في ممارسة الرقابة البرلمانية.
عبد الفتاح المكي .. نائب بلا مبادرة ؟
أما عبد الفتاح المكي الإستقلالي بجهة الداخلة، فإن حضوره ضمن “لائحة الصامتين” يعكس إشكالية أوسع تتعلق بعلاقة النائب بدائرته الانتخابية.
ففي مناطق تعاني من إكراهات تنموية واجتماعية واضحة، يصبح الصمت داخل البرلمان خياراً يصعب تبريره سياسياً أو أخلاقياً، خاصة بجهة الداخلة التي تشهد حالة احتقان اجتماعي وتنموي.
وفي ذات الصدد أكد عبد العزيز القراقي، الباحث في العلوم السياسية، في تصريحه “لهسبريس” ، أن “صفر سؤال” ليس مجرد رقم تقني، بل مؤشر مقلق على خلل مؤسساتي، يمس ليس فقط البرلماني الفرد، بل الأحزاب التي زكته وقدّمته للناخبين.
فبرلماني لا يسائل، ولا يبادر، ولا يراكم أثراً تشريعياً أو رقابياً، يطرح إشكالاً حقيقياً حول معنى التمثيل، وحول طبيعة العقد السياسي الذي يربطه بالساكنة التي منحته الثقة.
وفي النهاية، لا يستهدف هذا التقييم التشهير بالأشخاص، بقدر ما يسعى إلى مساءلة الأداء وربط الخطاب السياسي بالممارسة الفعلية، فالصحراء المغربية بما لها من رمزية سياسية وتنموية خاصة في ظل ما بعد 31 أكتوبر، تحتاج إلى نواب فاعلين داخل البرلمان قادرين لا على طرح أسئلة شفوية بل على ترافع جدي يعكس صورة الفاعل السياسي الحقيقي.


















