نخب الصحراء – كواليس
خلف الأبواب المغلقة للكواليس السياسية، كثيراً ما تختزل جملة واحدة مسار سنوات من التحالفات المتشابكة. وفي واحدة من أكثر المحطات حساسية داخل حزب الاستقلال بالأقاليم الجنوبية، تحولت عبارة قالها “حمدي ولد الرشيد” إلى عنوان لمحاولة مصالحة وئدت في مهدها، قبل أن تتحول إلى قطيعة سياسية أعادت رسم خريطة المشهد الحزبي بالمنطقة.
بدأت فصول القصة مع تصاعد التوتر بين “ينجا الخطاط”، المنسق الجهوي السابق للحزب بجهة الداخلة وادي الذهب، و”حمدي ولد الرشيد”، عضو اللجنة التنفيذية، على خلفية تقارب الخطاط مع تيار حزبي منافس؛ وهو سلوك لم يرق لـ”عراب الاستقلال” في الصحراء. ولتطويق الأزمة قبل استفحالها، أجرى ولد الرشيد اتصالاً مباشراً بـ”ماء العينين بوگرن”، عضو المجلس الوطني للحزب، حاملاً رسالة قوية ومقتضبة: “أنا لست كبيركم.. بل أنا واحد منكم”.
تولى “بوگرن” مهمة الوساطة، ونقل الرسالة مباشرة إلى ينجا الخطاط في منزله بالبادية ، بحضور أسماء وازنة كالبرلمانية ـ”خديجة بوگرن” و”الفقير الخطاط”رئيس جماعة بئر كندوز . ولم تكن عبارة ولد الرشيد مجاملة، بل دعوة صريحة لتجاوز “منطق الزعامة” وفتح صفحة جديدة، وإقناع الخطاط بأن اللقاء المرتقب في الرباط ليس جلسة مساءلة، بل محاولة لترميم البيت الاستقلالي.
نجحت الوساطة مبدئياً، إذ أبدى الخطاط تجاوباً لافتاً مع موضوع ترتيب غداء ببيت حمدي ولد الرشيد بالعاصمة، وشرع في الترتيب لرحلة الرباط وحجز تذاكر الطائرة للوفد المرافق، مما أوحى بأن المصالحة أصبحت قاب قوسين أو أدنى. لكن، وفي لحظة وصفتها القوى الاستقلالية بـ”يوم الشؤم”، انقلب المشهد رأساً على عقب، حيث اعتذر الخطاط فجأة عن الحضور، تاركاً الوسيط “ماء العينين بوگرن” في موقف بالغ الحرج أمام ولد الرشيد.
وحين وصل “بوگرن” إلى منزل ولد الرشيد بالرباط، استقبله الأخير بهدوء لافت قائلاً له: “كنت أعلم مسبقاً أنه لن يحضر”، في إشارة ضمنية إلى فشل المحاولة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت عاصفة من التغيرات تهز معقل ينجا الخطاط، بدأت بتفتيت التيار الموالي له داخل الحزب، مروراً بإقصائه من الترشح لعضوية اللجنة التنفيذية، وصولاً إلى صراعات مفتوحة مع قيادة المركز، انتهت بخروجه الرسمي من صفوف “الميزان”.
وتتواتر الروايات حول أن الخطاط كان بالفعل على أهبة الاستعداد للسفر، قبل أن يتلقى اتصالاً هاتفياً في اللحظات الأخيرة دفعه للتراجع عن خطوته، لينهي الإتصال بذلك مشروع مصالحة كان سيغير موازين القوى بالصحراء.
اليوم، وبعد انتقال ينجا الخطاط إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، تبدو عبارة “أنا لست كبيركم.. بل واحد منكم” وكأنها آخر محاولات ولد الرشيد للحفاظ على وحدة الصف. لقد كان فشل هذه المبادرة أكثر من مجرد خلاف شخصي؛ لقد كان نقطة تحول مفصلية، أطاحت بعهود قديمة وفتحت الباب على مصراعيه لإعادة تشكيل التحالفات في خريطة سياسية لا تعترف بالصلح إذا دوت طبول الانفصال.
في نظركم هل كانت تلك المصالحة المجهضة كفيلة بتغيير مسار السياسة في الصحراء، أم أن الانفصال بين الرجلين كان قد أصبح قدراً لا يمكن تفاديه ؟



















عذراً التعليقات مغلقة